ممن أقبل على دينه ؛ وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم ، فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر . وإنّما يهتم بإقامة مراسمهم صاحب الدولة بما له من النظر في المصالح ، فيقسم لهم حظّا من الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو الذي قرّرناه ، لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع ، من حيث الدين والمراسم الشرعيّة ، ولكنه يقسّم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران ، فلا يصحّ في قسمهم إلا القليل .
( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 925 ، 16 ) .
صناعة شعريّة
* في المنطق
- الصناعة الشعريّة تخيّل بالقول في هذه الأشياء بأعيانها ( إقناع الجمهور في الأشياء التي يزاولها وبمقدار المعارف التي لهم وبمقدمات مؤثّرة ) . ( الفارابي ، الحروف ، 148 ، 18 ) .
- صناعة الخطابة فإنّ أكثر مخاطباتها لا بالسؤال والجواب ، وإنّما تستعمل السؤال حيث ترى أنّ السؤال أنجح في اقتصاص مثل . وكذلك صناعة الشعر . ( الفارابي ، الحروف ، 224 ، 20 ) .
* في العلوم
- تبيّن في الصّناعة الشّعريّة أنّ موضوعات الأقاويل الشعريّة هي بوجه ما جميع الموجودات الممكنة أن يقع بها علم إنسان .
وهذه الموجودات ، منها ما حالها أبدا حال واحدة ، ومنها ما ليس أبدا حالها حال واحدة ، ومن هذه خاصّة ، ما إلينا فعلها ، وهي التي تسمّى « الأشياء الإراديّة » ، ومنها ما ليس إلينا فعلها . وكثير ممّا ليس إلينا فعلها ، لها معونة ما إلينا فعلها ، فهذه منها ما هو تمهيد لها أو حافظ لها أو دلائل عليها ، وهذه كلّها تعدّ مع التي إلينا فعلها . ( الفارابي ، الموسيقى الكبير ، 943 ، 6 ) .
* في الفكر الحديث والمعاصر
- الصناعة الشعرية : ولست أعني بالصناعة هنا إلّا صناعة الخيال . فإنه إذا كانت الصناعات البديعية ، لفظية وغير لفظية ، قد أساءت إلى الشعر العربي إساءة بالغة ، فإن الصنعة الخيالية لقد كانت في الإساءة أشدّ وأبلغ .
وتلك أن الشاعر أو من يتصدّى لقرض الشعر ، على العموم ، لا يشعر شيئا ولا ينفذ حسّه إلى شيء . فيبعث خياله من مجثمه ، ويستكرهه استكراها على أن يصنع له صورة شعرية ، فيمشي متعثّرا هاهنا وهاهنا في الارتصاد لما عسى أن يسنح له من المعاني واقعة حيث وقعت . حتى إذا لاح له شبحها شكّها ولو لم يتبيّن شخصها . ثم جعل يعالجها بالترويض والتذليل ، ويضيف إليها ما ظنّه من جنسها ، أو ما حسبه مما يلابسها .
ويطبع من هذه الأمشاج صورة شعرية ( والسّلام ) ، صورة لا الشاعر أحسّها من أول الأمر أو تذوّقها ، ولا من يقرأه شعر بالإلف لها ، أو ذكا حسّه بها . ( البشري ، المختار 1 ، 34 ، 15 ) .