موضوع دراسة منظّمة مستفيضة ، بل كاد يؤلّف علما خاصّا من العلوم المتّصلة بالتأريخ . ( قسطنطين زريق ، نحن والتاريخ ، 67 ، 8 ) .
- كل خطوة من خطى الصناعة التأريخية تستدعي الدقّة بأقصى معانيها وأضيق حدودها . فالبحث عن المصادر يقتضي عدم الاكتفاء بما يبين للعين أو يعثر عليه بأيسر جهد ، بل يتطلّب الاستقصاء البعيد والتفتيش الدقيق في كل ركن وزاوية أملا في أن ينكشف شيء جديد . وإثبات النص وتعرّف المؤلّف ومكانه وزمانه يستدعيان تقييم النسخ ومقابلتها ومقارنتها والنظر في الأدلّة المستنبطة من النص ذاته ومن سواه : كل ذلك بانتباه وإمعان وحرص ، ولزوم دائم للنص والدليل . واستخراج الحقائق المفردة من النصوص يتطلّب هذه الشروط ذاتها . أما استخلاص الأحكام العامة وتعليل الأحداث ، فيفرض جودة في الربط ، وإحكاما في الاستنتاج ، ودقّة في الحكم ، كأشدّ ما يفرضه أي جهد علمي مماثل .
وأخيرا إن عرض هذه الحقائق والأحكام يحتاج إلى انضباط في التعبير ، وحرص على تأدية الحقيقة بأوضح الأساليب وأصرحها وأبعدها عن الغموض والاضطراب والميعان . ( قسطنطين زريق ، نحن والتاريخ ، 97 ، 2 ) .
* في الفكر الحديث والمعاصر
- إن صناعة التاريخ تتمّ تبعا لتأثير طوائف اجتماعية ثلاث : أ - تأثير ( عالم الأشخاص ) ب - تأثير ( عالم الأفكار ) ج - تأثير ( عالم الأشياء ) . لكن هذه العوالم الثلاثة لا تعمل متفرّقة ، بل تتوافق في عمل مشترك تأتي صورته طبقا لنماذج إيديولوجية من عالم الأفكار ، يتمّ تنفيذها بوسائل من عالم الأشياء ، من أجل غاية يحدّدها عالم الأشخاص . فالعمل التاريخي بالضرورة من صنع الأشخاص والأفكار والأشياء جميعا ، ومعنى هذا أنه لا يمكن أن يتمّ عمل تاريخي إذا لم تتوافر صلات ضرورية داخل هذه العوالم الثلاثة لتربط أجزاءها في نطاقها الخاص وبين هذه العوامل ، لتشكّل كيانها العام ، من أجل عمل مشترك . وكما أن وحدة هذا العمل التاريخي ضرورة ، فإن توافق هذه الوحدة مع الغاية منها - وهي التي تتجسّم في صورة حضارة - يعدّ ضرورة أيضا . وهذا الشرط يستلزم كنتيجة منطقية وجود عالم رابع ، هو مجموع العلاقات الاجتماعية الضرورية أو ما نطلق عليه شبكة العلاقات الاجتماعية . ( ابن نبي ، ميلاد مجتمع ، 27 ، 1 ) .
صناعة الجدل
* في المنطق
- صناعة الجدل هي الصناعة التي بها يحصل للإنسان القوة على أن يعمل من مقدمات مشهورة ، قياسا في إبطال وضع موضوعه كلي يتسلّمه بالسؤال عن مجيب يتضمّن حفظه ، أي جزء من جزأي النقيض اتفق ، وعلى حفظ كل وضع موضوعه كلّي يعرضه لسائل يتضمن إبطاله ، أي جزءين من جزأي