بقدر الضرورة فإن الكلام يشغل القلب وشره القلوب إلى الكلام عظيم ، فإنه يستروح إليه ويستثقل التجرّد للذكر والفكر فيستريح إليه .
فالصمت يلقّح العقل ويجلب الورع ويعلّم التقوى . ( الغزالي ، علوم الدين 3 ، 82 ، 13 ) .
- الصمت - وإن كان من لوازم الخلوة ، ومن العصمة ألّا تجد . فهو مطلق وحي الفكرة ، وجالي صدأ العقل ، وبضاعة ربح الورع ، وغلّة بذر التقوى . ( لسان الدين الخطيب ، الحب الشريف ، 471 ، 11 ) .
* في الفكر الحديث والمعاصر
- ليس الصمت توقّفا عن الكلام . قد يبدأ عندما يتوقّف الكلام الشفهي . إلّا أنه لا يبدأ حتما لأن الكلام قد توقّف . الصمت ظاهرة وجدانية لا تعني فقدان الكلام . لأنه أكثر من حالة يستطيع الإنسان أن يضع ذاته فيها حين يروق له ذلك . هو حقيقة بيانية . يوقظ إلى الحياة كالكلمة ، ويفيد الإنسان كالكلمة ، ولكن على غرار آخر . الكلمة عينها تفقد لهبها ، عندما تقطع كل علاقة مع الصمت ، أي مع فعل التأمّل ، الذي يتميّز الإنسان ، به ، من باقي الموجودات . كثيرا ما يأتي الصمت أبلغ في الإفصاح ، وأفصح في الإبلاغ ، من لغة الأصوات والحروف .
والبيان على حدّ قول الجاحظ اسم جامع لكل أمر كشف لك عن معنى . فيكون الصمت ، والحالة هذه ، كما تكون اللغة عينها ، وجها من أوجه البيان ، مثل اللفظ والإشارة . إنه يبلغ إلى الآخر حاجة الصامت . إذ الصمت ، وإن لم يسند إلى الصامت كلاما بقرع الشفتين ، ينوب مناب الكلام في معرض الحاجة . والحقيقة أنه يستحسن في مواقف عدّة ، ويفضّل على اللفظ ، فتنبعث إليك الدلالات ، من خلفه ، بقوة هي البلاغة ذاتها . فانظر إلى العين تر كم تنطق أحيانا بما في الضمير أكثر مما يعبّر عنه اللفظ . ( كمال الحاج ، فلسفة اللغة ، 107 ، 3 ) .
- إن الصمت على نوعين : صمت فارغ ، وصمت طافح . الأول عدم لا معنى له . وهو دون اللغة ما دام لا يشير إلى مقصد . إنه صمت ساه ، مجدب ، يعادل الصفر . لا شيء ينبثق منه . ولا يحجب خلفه غير صمت آخر . لذا قيل إنه الموت . الثاني طافح ، خصب ، لأنه يعني . هو صمت فاعل ناطق موح . هذا الصمت يضعنا ، وجها إلى وجه ، أمام القضايا الكبرى ، في الوجود البشري .
يثير فينا القشعريرة ، ويوقظ آفاقا مديدة ، أمام بؤبؤ الوجدان . فيه وبه تنهمر على رأسنا أخطر الأفكار وأنضج العواطف . وإليه نعود في الملمّات الجسيمة ، من حياتنا ، لأنه أصدق تعبير عن مشاعرنا العميقة . هو غير الصمت ، الذي يبعد الإنسان عن مراقي العلم ، وأضواء النور الكاشف . غير الصمت الذي يطمس على القلب التائق إلى الكلمة العلوية . غير الصمت الذي يشوّه الكلام ويلغيه . أن يكون الإنسان وحده فهذا لا يعني أنه منفرد . إذ يجد نفسه ، توّا ، منفلقا إلى اثنين : ذلك الذي هو وذلك الذي يرغب أن يكونه . في العزلة ينطوي الإنسان على ذاته .
يعود إلى ذاته . ينفرد بذاته . يحتكم إلى ذاته .
يؤوب إلى ذاته . وهي كلها معان تفيد أن