بخلاف ما هو عليه ، ولكل واحد منهما دواع ؛ فدواعي الصدق لازمة ، ودواعي الكذب عارضة ، لأن الصدق يدعو إليه عقل موجب ، وشرع مؤكّد . فالكذب يمنع منه العقل ، ويصدّ عنه الشرع ؛ ولذلك جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة ، حتى تصير متواترة ، ولم يجز أن تستفيض الأخبار الكاذبة ، لأنّ اتّفاق الناس في الصدق والكذب إنّما هو لاتّفاق الدواعي .
( الماوردي ، أدب الدين والدنيا ، 237 ، 19 ) .
* في الفكر الحديث والمعاصر
- أمّا الصّدق فهو ابن الحق وهو كأبيه يستنكف أن يختفي ويستحي ويترفّع أن يماري ويحابي ويأنف الهلع ويسأم الهجوع ولا يمكن للمقاومات والقوامع أن تقاومه أو تقمعه ؛ وكل قوات الكذب والنفاق توجد أمامه كالهباء الذي تذريه الريح عن وجه الأرض .
وهكذا فمتى حصل الصدق حصلت السلامة . ومتى زاغ الصدق زاغت السلامة .
لأنّ الصدق والسلامة يتلاثمان ولا يتنافران .
فإذا لم يضع الإنسان في بناء علمه قاعدتي الحق والصدق كان كل بنيانه وهنا وأقلّ صدمة تهوي به إلى الحضيض ، وهكذا يكون جانيا على نفسه لأنه يتلف صيته ومقامه .
وجانيا على الناس لأنّه يغشّهم ويغري بهم .
وجانيا على اللّه لأنّه يكون من أولئك الذين يخادعون اللّه وهو خادعهم ولا يخدعون إلّا أنفسهم . ( فرنسيس مراش ، غاية الحق ، 92 ، 15 ) .
- إذا نظرنا إلى الصّدق من حيث أحوال الناس رأيناه يرجع إلى أربعة أقسام : 1 - صدق الفكر 2 - صدق القول 3 - صدق المعاملة 4 - صدق الوعد . ( جرجي زيدان ، مختارات 1 ، 30 ، 3 ) .
- هناك طريقة واحدة للصّدق ؛ وهو « أن يقول الإنسان الحق ، كل الحق ، لا لشيء غير الحق » . ( أحمد أمين ، الأخلاق ، 186 ، 11 ) .
* تعليق
* في الفلسفة
- يمثّل الصّدق مرجعية فلسفية علمية تجنّبا لمختلف وسائل الكذب والتضليل . فإذا ما بان الصادق مخبرا عن الشيء على حقيقته فذاك هو الصواب ، وعكسه باطل ، غير صادق وغير حقيقي .
إن كل ما صبا إليه الفلاسفة ، قدماؤهم ومحدثوهم ، تجلّى في إثبات صدقية القول مع مقارعته بصدقية الفعل أو العمل . وهذا ما ترمي إليه القواعد المنطقية حين تنخرط ضمن سلك المذاهب الفلسفية للدلالة على الحق ، استنادا إلى مبادئ برهانية صادقة تؤدّي ضرورة إلى نتائج صادقة .
إن مصداقية الخبر الفلسفي تقوم إذا على أمرين : ملاءمته للفكر تبعا لمبادئ منطقية صورية ، ومطابقته للواقع تجربة ومعاينة . وإذا لم يتوافر هذان الشرطان وقعنا في محظورين : الأول صدق الخبر نظرا فحسب بحيث يترك ظنّا وشكوكا ؛ والثاني نسبية الخبر الذي يقبله صاحبه ويرفضه آخرون . من هنا بقيت الفلسفة بحقيقتها رهينة آليات منطقية تطبيقية ، نحكم على نتائجها صدقا نظريّا ، أو وضعا على محكّ التجربة