مثقّفة . هذا مضحك حقّا ! فمن الذي يصدّق أنّ الرجل المثقّف المهذّب الذي أخذ من العلم ما استطاع ، وبلغ من الرقي العقلي ما أراد ، ثم نهض بالأعمال العامة في الحكومة أو في البرلمان ، من الذي يصدّق أنّ هذا الرجل المثقّف الممتاز يؤمن فيما بينه وبين نفسه بأنه يستمدّ سلطانه الذي يصرّف به الأمور العامة من هذا الشعب الجاهل الغافل الذليل ، وبأنه مسؤول حقّا أمام هذا الشعب ، يؤدّي إليه حسابا دقيقا عمّا عمل في أثناء الحكم أو في أثناء النيابة البرلمانية . ( طه حسين ، الثقافة في مصر ، 146 ، 1 ) .
* في الفكر النقدي
- أما السلطة فهي تمتلك ، وتحفظ ، وتدير الأوضاع ، وتحافظ على النظام القائم عن طريق الإكراه والتقييدات . وهي عندما تلجأ إلى الإقناع فإنها تخفي الآليات والرهانات الحقيقية من أجل إنتاج إيديولوجيا تبريرية ، التي تستخدم بالقليل أو بالكثير من النجاح المصادر الأساسية للسيادة ، وتستفيد ممن يمتلكونها بالفعل . إن السلطة تؤخذ وتضيّع ، وأما السيادة فتبقى دائما خالدة ، وتغتني باستمرار بعزم جديد على مدار الوجود التاريخي لجماعة بشرية معيّنة . ( أركون ، تاريخية الفكر الإسلامي ، 191 ، 18 ) .
- إن السلطة بالنسبة للمثقّفين العرب هي بصورة عامّة « سلطة إيديولوجية » . وهذا الأمر هو أثر من آثار انفصال السلطة السياسية التي تؤدّي إلى انفصال مختلف دوائر التشكيلة الاجتماعية طلبا للتحرّز من هذه الدوائر ( الانفصال الذي يظلّ تاريخ الجبرتي أدقّ وصف له ) . وهكذا فإن مختلف « ممثّلي » القطاعات السابقة على الرأسمالية والرأسمالية يتنازعون « السلطة الإيديولوجية » مستبعدين ، ليس من ممارسة السيطرة وحسب ، بل ومن حقل المقال . وذلك بتجريد مقال هذا الخصم من أهليته وأحقيته منحطين به إلى غيرية لا تسمع ولا تفقه . فإذا به هجر موات يتجرجر خارج زمان الحياة ، أو نافلة غريبة زرعها الآخر . ( وضّاح شراره ، المسألة التاريخية ، 251 ، 8 ) .
- تقوم السلطة على المباعدة التي تتمثّل في المراتب والطبقات ، وتملي على الذين يحفّون ويقربونها ضبطا للنفس ولخلجات الطبيعة . إلى ذلك ، فإن السلطة ضرب من ضروب الخداع : فالذي يليها لا يبدي ما يخفي ، ولا يترك نفسه نهبا لنزوات الانتقام والغضب . ويلخّص الجاحظ طبع الحاكم بأنّه لا طبع له ، كما مرّ معنا . لذا ، كان على « الحكيم المميّز » أن يجهد كي يكون من الملك « بالمنزلة بين المنزلتين » . تغلّب هذه الجوانب من الحكم وجه التمويه والانكفاء إلى داخل لا قرار له ولا قاع . فإذا كانت الطبيعة ما يستوي في ذاته وما يكافئ ذاته من غير اشتباه ، فإن السلطة في انسلاخها عن غير اشتباه ، فإن السلطة في انسلاخها عن الطبيعة تلج مجال المضطّرب والمتشابه ، وتغلّب العمل على هذا المجال ، إذ يصعب على النظر أن يخرج من المتشابه إلى المحكم تبعا لقواعد ثابتة . فهو لو خرج من المتشابه إلى المحكم تبعا لمثل هذه القواعد