هاشم الجبّائي يعتبر « أن السبب ذات موجبة لذات أخرى كالنظر الموجب للعلم » . هنا تستوقفنا مسألة العلاقة بين السبب والمسبّب ، فهل فهم المعتزلة السبب بمعنى الأصوليين والأشاعرة أي ما كان الشيء عنده لا به ؟ بمعنى آخر هل المسبّبات لازمة حكما عن الأسباب ؟ أم أن العلاقة بينهما هي مجرّد اقتران غير ضروري لا يلزم وقوع المسبّب عن السبب ؟
على صعيد الإنسان علّقوا ذات السبب بالفاعل ، بمعنى أن لا تكون الأفعال الإنسانية واقعة من سبب غير الإنسان الفاعل . ففي الأفعال المباشرة ، عند اكتمال الدواعي وزوال الموانع وحصول الاختيار ، يقع الفعل حكما ، أي يلزم وقوع المسبّب عن السبب حكما . أما في الأفعال المتولّدة ، فإنه لا يمتنع أن يحصل السبب ولا ينتج عنه المسبّب ، وذلك لاعتراض مانع قد يمنعه من التوليد . لذلك ميّزت المعتزلة بين ذات السبب وذات المسبّب ، وجعلت الأولى منفصلة عن الثانية ؛ فليس هناك من وجوب بينهما في الأفعال المتولّدة إلّا في حال ارتفاع الموانع .
أمّا ما أورده الأشعري بقوله أن معظم أهل الاعتزال المثبتين للتولّد قالوا « إن الأسباب موجبة لمسبّباتها » ، فتأويله أن الأسباب هنا هي ما أضيف إلى الفاعل .
إن عدم إيقاع الوجوب الإلزامي بين الأسباب والمسبّبات في مجال الأفعال المتولّدة لا يعني عند المعتزلة عدم التقيّد بالسببية في الأفعال الإنسانية ، بل إن الأمر يعود إلى التحرّز من بعض المواقع التي قد تعترض التوليد . فعند القاضي عبد الجبّار لا فرق بين الأفعال المتولّدة والأفعال المباشرة حال ارتفاع الموانع . وهو يعتبر أن الفعل المتولّد هو مسبّب ناتج عن سبب هو ذات الفاعل .
خلاصة القول إن المعتزلة أقرّت بوجود سببية في الأفعال الإنسانية على معنى حصول الفعل بالفاعل ولا بالاقتران غير الضروري ، بل هي أوجبت هذا الوقوع على صعيد الإحداث .
أما الأشاعرة فهم ينكرون بالأساس نسبة الفعل إلى الإنسان الفاعل إلّا على جهة الكسب ، أي إنه لا يفعل ولكنه يستحقّ الحكم على الأفعال لأنه هو محلّها . وهذا مؤدّاه أن اللّه خلق هذه الأفعال ووضعها في الإنسان ، فلأجل ذلك تترتّب عليه المسؤولية . وحتى في المسائل الطبيعية ، فإن المتكلّمين من الأشاعرة ينكرون أساسا وجود سببية طبيعية ، ولا يرون سببا فاعلا في الكون سوى اللّه . وقد أعطى الغزالي مثلا واضحا في كتابه المنقذ من الضلال على هذه المسألة بقوله : « إن الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وبين ما يعتقد في العادة مسبّبا ليس ضروريّا عندنا . إن احتراق القطن بالنار يحصل عن الملاقاة لا بسبب الملاقاة ، أي أن النار ليست هي التي تحرق بل هناك فاعل آخر هو اللّه . فقد تحصل نار ولا يحصل احتراق إذا منع مانع عن ذلك ، وهم يقولون إن إبراهيم ألقي في النار ولم يحترق بل نزلت عليه بردا وسلاما . لذلك لا فاعل إلّا اللّه ولا سبب إلّا اللّه » .
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد ) — صفحة 1415
مساهمون: جيرار جهامي
ص١٤١٥