ومعلوم من حال السنّيّة مبالغاتهم في تكريم الصحابة وإجلالهم ، وإحترامهم ومراعاة حقوقهم ، وما ينسبونه إلى رسول اللّه من الإطراء والثناء عليهم ، فكيف يجتمع الضدان ويصدق المتنافيان ؟ ! .
وكيف يقول رسول اللّه للصحابة : على أبوابكم ظلمة ! ، وهم مصدقون له مؤمنون به وبما جاء به ، يقتدون أفعاله ، ويتبعون أعماله ، ويحتذون مثاله ، ويقتفون آثاره ، ويقتصّون أخباره وانذاره ، ونهاية همّهم الاتباع للّه والرسول ، والالتزام بالشريعة ، والإجتناب عن كلّ شنيعة ؛ حتى هاجروا في محبته الأوطان ، وكابدوا الأحزان ، وقاسوا الأشجان ، وتركوا الأهل والأولاد ، وهاجروا العشائر والأحفاد ، ثمّ يشافههم الرسول في جزاء أعمالهم الحسنة ، ومساعيهم الجميلة ، بهذا التشنيع الصريح ، والتفضيح الغليظ ! .
ثمّ لم يكتف الواضع على هذا المقدار ، حتى نسب إلى الرسول المختار من أنّه عيّر الصحابة بأنّهم كذّبوه وخذلوه وأمسكوا أموالهم عنه ! .
ولا يخلو : إمّا أن تكون هذه الأمور وقعت عنهم قبل الإسلام ، فهو ممّا لا يؤاخذون به ولا يعيّرون به ؛ لأنّ الاسلام يجبّ ما قبله ، ماح لما سبق ؛ وكيف يعيّر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مسلما بما سبق عنه من الأفعال الشنيعة في حالة الكفر التي محاها اللّه عنه ويؤذيه بذلك ! ، مع أنّ إيذاء المؤمنين حرام ، والتشنيع عليهم بما لا يؤاخذون إثم كبير ، وقد قال اللّه تعالى في حقّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : رؤوف عليكم « 1 » .
وإمّا أن تكون هذه الأمور صدرت عنهم بعد الاسلام ، فهو ضغث على
هامش
( 1 ) انظر سورة التوبة الآية : 128لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.