الثاني : انحراف رجال الدين المتصدين للمجتمع وتغير نواياهم وأهدافهم من ربانية مخلصة إلى دنيوية محضة وحب الدنيا رأس كل خطيئة وباب المفاسد والشرور فيستشري الطمع والاثرة والحسد والبغضاء والخلاف والقطيعة والكيد والمكر وتنشأ هوَّة بعيدة بينهم وبين الأمة فتضلّ الأمة بضلالهم وقد قيل ( إذا فسد العالِم فسد العالَم ) وهذه هي الطامة الكبرى حين ينعدم الاخلاص فتنفصم العروة الوثقى وهي حبل الامداد والتوفيق الإلهي . وقد اكد الأئمة على اجتناب مثل هؤلاء ونبذهم وعزلهم فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياكم فاتهموه على دينكم ، فان كل محب لشيء يحوط ما أحب ) .
والنتيجة : انك إذا رأيت مجتمعاً صالحاً فاعلم أن من ورائه علماء صالحين واعين متحركين مخلصين ، وان رأيت مجتمعاً فاسداً فاعلم أن سبب ذلك خلّو علمائهم من واحدة أو أكثر من هذه الصفات أي الاخلاص والصلاح والوعي والعمل ، بل هم ليسوا علماء حقيقة فان علامة العلماء خشية الله سبحانه
( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ )
« 1 » ومن ثمرات ذلك التصدي للمسؤوليات الملقاة على عاتقهم باخلاص ففي الحديث :
( الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يؤمنهم من عذابه ، ولم يرخّص لهم في معاصي الله )
وليس الفقيه من احصى مسائل يندر الابتلاء بها وإذا صادف وان تعرض لها شخص فيوجد من يفتي فيها لان وجوب الافتاء كفائي . وللمزيد راجع بحث
( الفقه والفقيه في الكتاب والسنة ) « 2 » .
فكم من الصفات المذكورة تهتم بتربيتها الحوزة الشريفة في ظل نظامها الحالي ؟ أستطيع ان أقول ان فيها تقصيراً كبيراً من عدة جهات فهي تهتم باعطاء حشد من المعلومات النظرية الخاوية من الحس الروحي الذي يشدُّ إلى الله سبحانه ومن الحس الاجتماعي الذي اعني به كيفية التعامل مع الواقع المعاش ورفعه إلى مستوى التطبيق الكامل للشريعة لا الهبوط بالشريعة إلى مستوى الواقع وتكييفها وفق متطلباته .
وكل ذلك ناشئ من عدم وضوح وغفلة عن الهدف الحقيقي وكما نعلم فان الهدف هو الذي
هامش
( 1 ) فاطر : 28
( 2 ) تجد ملخصه في كتاب ( شكوى القرآن ) .