فإذن لابد من علاج ذلك بأحد أمرين :
الأول : أن ترفع اليد عن ظهور تلك الروايات في شرطية تلك الأبعاد ما عدا ظهورها في شرطية البعد الأول وهو الحد الأدنى منه « 1 » .
الثاني : أن ترفع اليد عن ظهورها في الجميع وحملها على بيان الحكم الترخيصي وهو الكراهة باعتبار أن لها مراتب مختلفة ، واختلاف الروايات في تحديد مراتب البعد بينهما يكشف عن اختلاف مراتب الكراهة .
الظاهر هو الثاني ، بل هو المتعين لمجموعة من القرائن :
الأولى : أن لازم الفرض الأول هو إلغاء كافة الروايات المتضمنة لاعتبار سائر مراتب البعد بينهما على كثرتها من جهة معارضتها للروايات المتضمنة لاعتبار المرتبة الأولى ، ومقتضى القاعدة إلغاؤها نهائياً ، وهو في نفسه بعيد ، وحملها على الكراهة بحاجة إلى قرينة تدل على التفكيك بينها وبين الروايات المتضمنة للمرتبة الأولى من البعد ، فإن كانت القرينة اختلاف تلك الروايات في مرابت البعد فهي قرينة على حمل الجميع على الكراهة لا خصوص تلك الروايات وإن كانت شيئاً آخر فهي غير متوفرة .
الثانية : أن الفرض الأول لا يمكن تطبيقه بالنسبة إلى بعض الروايات كصحيحة زرارة « 2 » التي هي ناصة في تخيير المكلف في الفصل بينه وبين المرأة
بما لا يتخطى أو قدر عظم الذراع فصاعداً ، وذلك لاستحالة تقييد شرطية الفصل بينهما بأحد البعدين على نحو التخيير ، فإذن يكون نص الصحيحة قرينة على أن مدلولها حكم ترخيصي لا إلزامي .
الثالثة : أن صحيحة الفضيل عن أبي جعفر ( عليه السلام ) : قال : ( إنما سميت بكة لأنه تبك فيها الرجال والنساء والمرأة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن يسارك ومعك ولا بأس بذلك وإنما يكره في سائر البلدان ) تدل بوضوح على أن
هامش
( 1 ) أقول : هذا ما اختاره السيد الخوئي ( قدس سره ) كما قدمنا .
( 2 ) يعني بها الرواية الرابعة من الصنف الثاني .