فإن وافقهما الخبران فيؤخذ بما هو أبعد عمّا يميل إليه حكّامهم وقضاتهم حيث ورد فيها : ( ما خالف العامة ففيه الرشاد ، فقلت جُعلتُ فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً ؟ قال : يُنظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم فيُترَك ويؤخذ بالآخر ) « 1 » وإنما قُدّم الأول لأن التقية من مخالفة المشهور عند علمائهم الذي بنوا عليه الرأي العام لعلّه أولى « 2 » من التقية من السلطة لأنها منشغلة بدنياها ولا يهمّها إلا ما يحافظ على مصالحها بينما العلماء المبتلون بالحسد والحقد والتنافس يراقبون كل صغيرة وكبيرة لعلّهم يجدون منفذاً - ولو بالافتراء - لإغراء العامة وتضليلهم لإبعادهم عن الإمامة الحقة بالتسقيط والتشويه .
وفيه : إنه معنى دقيق في نفسه وإذا أردنا أن نحمل إحدى الطائفتين على التقية فحمل الأولى عليها أولى ، إلا أنه غير محتمل في المقام :
1 - لما تقدّم من الحشد ضد الخمر والتنفير منها واجتنابها في الكتاب والسنة .
2 - لو كان الأمر كذلك لما أطبق عليه العلماء إلا القليل منهم .
3 - إن مضامين عدد من روايات الطائفة الأولى تأبى الحمل على التقية كتبرّع الإمام ( عليه السلام ) في المبالغة في وصفها بأنها رجس ونحوه والأمر بغسلها ثلاثاً في موثّقة عمار وهو قول غير معروف عندهم .
المرتبة الثالثة : وهي محاولة الجمع العرفي بين الطائفتين ما دام المعنيان قد صدرا في الجملة عن الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، وهنا أكثر من تقريب :
( التقريب الأول ) ما سبق من حمل روايات الطائفة الأولى على التنزيه ورفع
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب 9 ، ح 1 .
( 2 ) من الشواهد التأريخية على ذلك حادثة بيان الإمام الجواد ( عليه السلام ) حكم قطع يد السارق في مجلس المعتصم العباسي خلافاً لفقهاء العامة وأخذ به المعتصم إلا أن قاضي القضاة ابن داود ظلّ يحرّض المعتصم على قتل الإمام ( عليه السلام ) حسداً وانتقاماً لهزيمتهم حتى اقتنع المعتصم وارتكب تلك الجريمة النكراء .