ومن جهة أخرى ، بما أن الكافرين عجزوا عن مواجهة الرُّسُل بالحوار ، وذلك بسبب أمانة الأنبياء ، وصدقهم ، وطيبتهم ، وحلمهم ، وحكمتهم ، ونُبلهم ، وتوفُّرهم على الخير كله ، فترى الكافرين - إزاء كل ذلك - يتظاهرون بالإشفاق عليهم ، فكأنهم يحاولون معالجة هؤلاء الأنبياء وإنقاذهم من مشكلة عجزوا عنها ، أو فاتهم أمر الوقاية منها . فتراهم يحاربونهم محاربة نفسية ، بعد أن وجدوهم والهين مضحين للأفكار والمبادئ والمثل التي أُنزلت عليهم من السماء .
وهذه الحرب من أخبث أنواع المواجهة التي اتَّخذها الكافرون ضد أنبيائهم ؛ ذلك لأن أساس الاتهام بالسحر أمرٌ غير مفهوم للناس ، لأنهم لا يعرفون السحر ولا معناه . وبالتالي يبقى الاتهام قضية مبهمة طافحة تزيد من ضلال الناس وانحرافهم .
ولعل هذه التُّهمة الشيطانية قد تكرَّرت من قِبَل الأمم ضد أنبيائهم ، وهي من الأدلة على صدق الأنبياء ؛ لا سيما وأن الواحد منهم كان في غنى عن المال أو الجاه ، ولا يبحث عن السلطة والرئاسة ، وإنما هو ذائب في مهمته إلى الدرجة التي حَدَت بالناس إلى تسميته بالمسحور ، لشدة اتِّصاله بأمر السماء .
ويُمكن القول بأن كلمة : الْمُسَحَّرينَ - وهي إشارة إلى وجود أشخاص على مر الحقب والأزمنة عُرفوا بهذه التسمية - تُشير إلى أن رجالًا آخرين كانوا ينهون قوم شعيب عمَّا كانوا يفعلونه من المفاسد والمُوبقات . وليس بالمستغرب أن يظهر في كل أمة عدد من المصلحين ، هم من بقايا الرسالات السماوية السابقة ، كما كان الموحدون الأحناف في الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية الشريفة ، وهم الطاهرون عن الانحراف نحو عبادة الأصنام وممارسة العادات الفاسقة .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 466
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٦٦