تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
دون تمييز ، غير مستعدٍّ لقبول فكرة التطوير والتحديث . ولعل البحث عن التجمّد على أفكار الماضين في كتاب ربِّنا أكثر مساحةً من البحث عن التمرُّد على الآباء ؛ لأنّ داء التجمّد والامتناع عن التطوُّر أكثر ما يصيب ابن آدم ، ومنه التجمُّد على أفكار وممارسات الآباء ، حتى إن الأمر يصل إلى حدِّ الشرك بالله تعالى والإعراض عنه . ويعتبر القرآن الكريم الشرك ، هو الذنب الذي كتب ربُّنا على نفسه ألَّا يتسامح فيه ، ولا يتجاوزه ، واعتبره الظلم العظيم . فهؤلاء الانطوائيون المُنغلقون على أفكارهم ، ويتَّبعون أفكار السابقين دون تمحيص ، إلَّا أنهم هم المصابون بداء الشرك لاتِّخاذهم آباءهم آلهةً من دون الله ، إذ يُقدِّسونهم بلا مبرر ، ولا يسمحون لأنفسهم بالبحث عمَّا لديهم من أفكار ومدى صحتها ، وتراهم يتَّهمون غيرهم بالشرك ظلماً وعدواناً . وإنما يقدّس المرء آباءه وأسلافه - في كثير من الأحيان - لاهتمامه الشديد بنفسه هو ، وسلاحه في ذلك ؛ التفاخر بآبائه . ولا ريب في أن هذا التقديس اللامبرر ، ينتهي إلى عدم إدراك الحقائق جملةً وتفصيلًا . ولكن الله سبحانه وتعالى أدان هذا المنحى البشري الباطل ، وكثيراً ما بيَّن أن الجميع هم مخلوقون لله يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ وَالَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 1 » . فالله هو ربُّ الأولين والآخرين ، فلا مُبرِّر أن يتَّخذ اللاحقون السابقين أرباباً من دون الله عبر التعصب الأعمى لهم . فيما الإسلام دعا وحضّ على الدعاء والحديث مع الله سبحانه مباشرة ، تفنيداً للفكرة الفاسدة التي ترى عدم جدارة الناس جميعاً بمخاطبة الربّ .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 21 .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 463 | السيد محمد تقي المدرسي