ولذلك ؛ فإن ربًّا قادراً مقتدراً يخلق أرضاً - كنموذج - بهذه المميزات ، ثم يُكرِّم ابن آدم بتسخير ما فيها له ، لحريٌّ بأن نؤمن به ونعبده دون سواه من الآلهة المزيفة . . بما فيها الظواهر الطبيعية ذات العلاقة بالأرض ، التي افترى بعض الناس وقام بعبادتها من دون الله عز وجل . وشتان ما بين بصيرة القرآن الحكيم هذه وثقافات الجاهلية . فالقرآن يدعو البشر للانتفاع بما في الأرض وتسخيرها ، بينما تريد الثقافات الجاهلية العكس ، وهو أن يصبح البشر مُسخَّراً لما في الطبيعة ويعبدها .
ثم إن هذه الكلمة من الآية تدعو إلى التكامل بين الإنسان وبين الظواهر الطبيعية . فهو يخدمها وهي تخدمه ، وهو يستعمرها وهي تزيده رفاهاً .
2 - وَالْفُلْكَ تَجْري فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ .
الآية تُذكِّرنا بأن الله قد سخَّر ما في الأرض للإنسان ، ومن جملة ذلك : أنه جعله قادراً ، على صناعة الفلك ، بتوفير وسائل صناعة هذا المنتج البحري ، وهو السفينة ، مثل الخشب والنحاس والقماش وغير ذلك مما يدخل في صناعة السفن ، أو حتى البخار ومشتقات النفط والذَّرَّة . . فالإنسان صنعها بما وهبه الله له من عقل وعلم ووسائل مُتاحة أخرى . وهذا مَثَلٌ واضح لأسلوب تسخير الرَّبِّ ما في الأرض للبشر .
والفلك تجري في البحر ، ضمن السهولة المتوفرة في جنس الماء مع انسياب الهواء ومع تصلُّب اليابسة ، فصارت الفلك تجري بيسر - مبدئيًّا - حيث البحر ، وحيث سوق الله للرياح الموائمة . . إذ الرياح
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 265
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٥