ومن هنا فإن رسالة القرآن الكريم التي تتضمَّنها الكثير الكثير من آياته المباركة تحمل إثارة هذا الإحساس وتفعيل هذه القوة في بني البشر .
فإذا تفعَّلت هذه القدرة فيه ، فإنه سيعيش مع ربِّه الخالق المتعال مع كل حدث . . وسينظر إلى الطبيعة باعتبارها آيات تدلُّه على ربِّه ، وليست مجرد ظواهر متناثرة ، بل سيتخذ منها عبرة ؛ أي ينتقل من شهودها إلى غيبها ، ومما يظهر منها إلى ما هو أخفى .
وهكذا قال ربنا سبحانه :
1 - أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي اْلأَرْضِ
وهكذا نجد القرآن الكريم يستنهض فكر الإنسان ، ويدعوه إلى النظر بعين البصيرة ، ثم يُذكِّره بأن الله سبحانه قد جعل ما في الأرض مُسخَّراً لخدمته .
والآية تتضمَّن الإشارة إلى حقيقة هامة ، وهي أن كل ما في الأرض مُسخَّر للإنسان ، وأن بمستطاع هذا المخلوق أن يستثمر ما فيها من خيرات وبركات . . ولكنه في الوقت نفسه ، لم يقل : إنه سخَّر الأرض للإنسان ، نظراً إلى أن وجودها ، وطبيعة حركتها ، وطبيعة مصيرها لا مدخلية للإنسان فيه ، فلا ينبغي له أن يُغيِّر مصيرها ، كأن يعمد إلى وسائل التدمير الشاملة ويُعرِّض مصير الأرض إلى الخطر الماحق ، إنما قال : ما في الأرض .
ولكن ؛ حيث أذن الله تعالى للإنسان أن يستثمر ما في الأرض ، فإنّ من الخطأ القاتل أن يحجم عن التفاعل مع الأرض وما فيها والسعي لإعمارها ، نظراً إلى أن إعمار الأرض بما يتناسب وإرادة الله سبحانه وتعالى قد يكون نوعاً من العبادة .
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 264
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٤