العقلية التي تُمكِّنه حتى من اكتشاف ما يخرج عن نطاق عمل الحواس ، إلَّا أنه في كثير من الأحيان لا ينتفع من هذه الطاقة الجبارة ، مما يجعله عاجزاً عن السمو إلى معرفة ما وراء الطبيعة عبر حقائق الشهود .
ولنضرب مثلًا ؛ الفرق بين الطبيب وغيره ، إن الأول يُلاحظ ظاهرة صحية ما ، فيكتشف من ورائها المرض ، بينما الثاني قد يُلاحظ الظاهرة ذاتها ، لكنه لا يكتشف شيئاً . وهكذا يتميَّز من يُحقق في الجرائم عن غيره في ذلك ؛ أي في معرفة ما وراء الظاهر . وهكذا الفرق بين المهندس وغيره ، أو بين عالم النفس ومن سواه . . الفرق دائماً يتمثَّل في معرفة ما يغيب عبر التأمُّل فيما يُشاهده الحس .
وهكذا فإن من أكبر الفوارق بين الناس بعضهم عن بعض ، أن لدى البعض قدرة اكتشاف الخبايا والخفايا ، فيما غيرهم يكتفون بملاحظة الظواهر ويحصرون أنفسهم ضمن حدود عالم الحس .
وهذه الحقيقة تتجلَّى في أفق المعارف العليا ، وبالذات معرفة الخالق سبحانه ، إذ إن القدرة ذاتها التي يستفيد منها الطبيب الحاذق وأيّ خبير آخر في الانتقال من معرفة الظواهر إلى معرفة ما وراءها ، أنها هي ذاتها تُعطي الإنسان القدرة على معرفة الرَّبِّ الذي هو غيب من خلال آياته المشهودة .
ولكن السؤال المهم : لماذا إذاً نجد أكثر الناس ، ومع ما أُوتوا من العقل والمقدرة على بلوغ الغيب من خلال الشهود ، لماذا لا يعرفون ربَّهم ، وهو المحيط بهم ، وهو الشاهد عليهم تبارك وتعالى ، مع أن في معرفتهم لخالقهم نفعاً لهم ، وفي الجهل به وبأوامره ضرراً عليهم ؟
يبدو أن الإنسان بحاجة إلى تفعيل هذه القدرة عبر التذكير بها .
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 263
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٣