تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
إن القرآن المجيد تنزَّل للناس كافة ، ومن دون أي استثناء . ومن يزعم أنه قد استُثني من مواعظ الوحي يكون مصيره ما آل إليه بعض علماء اليهود والنصارى الذين ارتكبوا ما شاؤوا من الموبقات ، وفي مقدمتها تحريف الكلم عن مواضعه ، ثم سعوا إلى النأي بذواتهم عمَّا أكدت عليه النصوص أو حذَّرت منه ، حتى أنهم قالوا : إن الله تعالى لن يُحاسبهم كما يُحاسب غيرهم ، وأضفوا على أنفسهم صفة المُشرِّع ، فقالوا بأن ما يصدر عنهم يعتبر بحدِّ ذاته تشريعاً ( إلهيًّا ) فهو بالتالي مُحصَّن بحصن السماء ، وهم يمتازون بحصانة مميزة ، فلا أهل الدنيا يُحاسبونهم ، ولا الملائكة في يوم القيامة . ولقد تنازل منهم مُتنازل مُتواضع ، فقال : إنَّنا قد يُعرِّضنا الله تعالى لناره ، إلَّا أن ذلك لن يستغرق سوى أيام معدودة . ولكن هاتين الفكرتين نفاهما القرآن المجيد نفياً قاطعاً في أكثر من آية ، وفي أكثر من مناسبة ، ومنها قول الله تعالى : 1 - الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ . فلا مجال لأحد أن يتقوَّل من عند نفسه على الله عز وجل وعلى إرادته . . فإن الله سبحانه هو المالك للدنيا والمالك للآخرة ، وله الملكوت ملكاً حقيقيًّا وليس ظاهريًّا فحسب ، له الخلق وإليه المصير . وما يرى الناس في الدنيا من هامش من الحرية فإنما هي تابعة لإرادة المولى الجبار ليمتحنهم ويبتليهم . وما الموت الذي تتعرَّض له المخلوقات في الدنيا إلَّا آية من آيات الله ؛ الذي يقهرها به ، وليعرفوا أن ثمة عالماً جديداً سيلجونه بعد الموت مُضطَّرين مُجبرين فيه على كافة المستويات ، حتى أن الأيدي لتتكلَّم وتشهد بالحق دونما إرادة من أصحابها .