الجبال منذ أن خلقها كيانًا مستقلًّا ؟ .
هنا نحتاج إلى تأمّل . .
فالجبال وصفها الخالق بأنها راسيات ، فمع كونها شامخات ، إلَّا أنها راسيات ؛ أي أنها كما المرساة التي يستخدمها أصحاب السفن لإيقاف سفنهم في عرض البحر أو عند المرافئ .
وصفة الرسو هنا جاءت ، لأن الحديث عن استقرار الأرض ، ولا يحصل الاستقرار إلَّا بوجود مشدٍّ ومرساة .
ونحن حين نرى الجبال بما فيها من شموخ وارتفاع ، إلَّا أن شموخها هو القسم الظاهر من حقيقتها ، لأن هذه الجبال متصلة أساسًا بصخور متشابكة فيما بينها ، لتحافظ على تماسك الأرض .
وهذه الأرض يفترض لها أن تكون قويّة الأسس ، لأنها خُلقت لنعيش عليها ، وهي التربة الممهدة لحياتنا . ولو كانت الأرض راخية مثل الرمال المتحرّكة ، لما استقرّ الإنسان عليها . ولو كانت عكس ذلك ؛ أي كانت جُرمًا صخريًّا صلدًا ، كما الحال في بعض الكرات السماويّة ، أو كما الجبال الصم الصياخيد ، لاستحالت الحياة عليها أيضًا . وإنما الأرض جمعت كلّ هذه الأحوال ؛ فهي تربة في ظاهرها ، ومن ثم صخور راسية عليها ، وهي قويّة جدًّا في العمق . وهذا خلق الله في كلّ شيء ، بما في ذلك جسم الإنسان ، حيث العظام القويّة في عمقه ، في حين أن البشرة اللينة في سطحه ، ثم طبقه اللحم التي توازن بين القوّة والليونة ، فيستطيع الإنسان مواصلة العيش .
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ لماذا ؟ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ لكيلا
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 88
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٨