لعاش بهذه الطريقة ، وإنما يخلد أهل الجنّة في الجنّة لنيّاتهم الحسنة ، كما يخلد أهل النار في النار لنيّاتهم السيّئة أيضًا .
ومن طبع الإنسان أنه تتجذّر نواياه وعاداته بمرور الوقت ؛ فهو يكبر ، وتكبر معه أعماله ونواياه ، حتى تتحول إلى طبيعة ثانوية عنده حتى أن الشيطان ليأتي للإنسان الذي قضى عمره في المعاصي ، وقد بلغ من عمره الأربعين عامًا ، فيربت على كتفه ويخاطبه قائلًا : ( مرحبًا بوجه لا يفلح أبدًا ) ، وهذا نوع تعبير عن مدى ارتياح الشيطان من تمكّنه من خداع مثل هذا الشخص ، إضافة إلى إلقائه اليأس والقنوط من رحمة الله في روعه .
وليكن في الحسبان أن في شخصيّة ابن آدم بُعدين : بُعد النار ، وبُعد النور ، وعمل الإنسان هو الذي يغلب بُعدًا على آخر . فإذا غلب جانب النور ، فهو يلحق بالنور ، حيث الجنان والرضوان والنعيم . أمّا إذا غلب جانب النار ، فلا شك في التحاقه بالنار ، حيث العذاب والغضب .
هذه حقيقة نقتبسها من الآية القائلة : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ فكأنهم امتلكوا الجنّة واشتروها بأعمالهم وأقوالهم ونواياهم . أمّا العذاب الأليم ، فهو عذاب للمسيء ، وعبارة عن شيء خارجي يلحق به .
ولعلّ الرواية المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وآله تشير إلى هذا المنحى ، حيث قال : (
لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا قِيعَاناً وَرَأَيْتُ
فِيهَا مَلَائِكَةً يَبْنُونَ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ ، وَرُبَّمَا أَمْسَكُوا فَقُلْتُ لَهُمْ : مَا لَكُمْ قَدْ أَمْسَكْتُمْ ؟ .
قَالُوا : حَتَّى تَجِيئَنَا النَّفَقَةُ .
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 76
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٦