وَهُوَ يَخْفِقُ وَيَهْوِي بِرَأْسِهِ ، مُصْفَرًّا لَوْنُهُ ، قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ ، وَغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلَانُ ؟ .
قَالَ : أَصْبَحْتُ يَا رَسُولَ الله مُوقِناً .
فَعَجِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله مِنْ قَوْلِهِ ، وَقَالَ :
إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً ، فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ ؟ .
فَقَالَ :
إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ الله ! هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَأَظْمَأَ هَوَاجِرِي ، فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي وَقَدْ نُصِبَ لِلْحِسَابِ وَحُشِرَ الْخَلَائِقُ لِذَلِكَ ، وَأَنَا فِيهِمْ ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَتَعَارَفُونَ وَعَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ ، وَكَأَنِّي الْآنَ أَسْمَعُ زَفِيرَ النَّارِ يَدُورُ فِي مَسَامِعِي .
فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله لِأَصْحَابِهِ :
هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ .
ثُمَّ قَالَ لَهُ :
الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ .
فَقَالَ الشَّابُّ : ادْعُ اللهَ لِي يَا رَسُولَ الله ! أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ .
فَدَعَا لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ ) « 1 » .
بلى ، إن هناك من يعيش مع الحقائق بصورة مباشرة وجدّية ،
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، ج 2 ، ص 53 .