وحيث يعمد ابن آدم إلى قياس نفسه بالأشياء والحقائق الموجودة في هذا الكون ، فإنه يتواضع وهكذا يتوقّع له حتى يصبح أكثر تعادلًا واتزانًا مع مرور الوقت .
يقول الله تعالى : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ؛ أي تُكشف له الحقائق وتتوارد عليه الموجودات ؛ فإنه يتهرّب من هذه الآيات ، ويحشر نفسه في فضاء ضيّق ، حيث زنزانة ذاته المغلقة ، حتى يستكبر وَلَّى مُسْتَكْبِراً .
وهنا إشارة قرآنية لطيفة وردت عبر كلمة وَلَّى ؛ أي هرب من الإيمان والمعرفة ، وبالتالي من تحمّل المسؤولية ، وشرد ذهنه عن الحق . إنه وبكل إرادته وعزمه ، وبكل ما أُوتي من قوّة يحاول التهرّب من الحقائق ، كمن يغلق على نفسه باب غرفته الضيّقة المظلمة النتنة الرائحة ، ثم يسدل عليها الستائر ، ويضع على رأسه غشاءً ، تهرُّبًا من نور الشمس .
وليس الهدف من التهرّب من الآيات والحقائق إلَّا الاستكبار بداعي الجهل والغفلة وسحق الضمير .
وبعدها ؛ يشير القرآن المجيد إلى وقوع الإنسان في فخ الرغبة في الاستكبار على الحقائق . . فيقول : كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا . فهذه قد سمعها وسمع بها ، ولكن موقفه من الآيات والدلائل والبراهين العقلية والعلمية ، كان كأنه لم يسمع بكلّ ذلك .
وبناءً على هذا ، نفهم من هذه الآية القرآنية الكريمة أن الحجّة الإلهيّة تُقارب الإنسان حتى تصل إلى أعماقه ، شاء أم أبى ، لكن يبقى كل فرد بعدئذ في رضا أي اتجاه يعزم عليه . فبينما تجد بعضًا يتهرّب
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 64
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦٤