ولا ريب في أن ابن آدم سيُسأل يوم القيامة عن سِنّي حياته وأشهرها وأيامها وساعاتها ، وحتى ثوانيها ولحظاتها ، أين وكيف صرفها ؟ ! والحساب عسير ، والله سبحانه سريع الحساب ، وهو الحاكم وهو الشاهد وهو الناقد البصير ، وقد قدَّم المزيد من الوعد والوعيد .
وهكذا نجد القرآن الكريم حين يُبيّن لنا جانب الحكمة ، يُبيّن أيضًا الجانب الآخر ، وهو جانب لهو الحديث لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثم يقول : بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وهذا يعني أن الإنسان يهرب من العلم المتمثل في العقل والوحي . والعلم هو المعيار السليم ووسيلة النجاة ، فإذا ضل البشر عنه فتراه لا يحقق شيئًا مفيدًا لنفسه ولا للآخرين ، بل ويضرّهما أيضًا .
وحيث إن الوحي يثير العقل ويزيد العلم ؛ فهو يتهرّب منه . وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ .
كيف يستطيع الإنسان أن يتهرّب من العلم ؟ .
يفعل ذلك بالسخرية ؛ لأنه يعجز عن مواجهة الوحي بكلمة طيبة وبحجّة بالغة ، فتراه يستهزئ به ، وإنما هو يستهزئ بنفسه ، حيث يهبط من مستوى الجد إلى مستوى اللعب ، ومن مواجهة الحقائق بشجاعة إلى ممارسة خداع الذات .
والقرآن الحكيم يؤكّد هنا على كلمة العلم ، لأن المتهرّب ، جاهل مع ادِّعائه العلم ؛ لاختياره الفرار من المسؤولية وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ .
هنا يبين ربّنا سبحانه وتعالى العاقبة التي تقف بالمرصاد لمثل
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 54
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٤