الجواب : هو أن الهداية من الله سبحانه وتعالى في أولها ، وهي أيضًا في استمرارها من الله تبارك اسمه . وهذا يعني أن الإنسان الذي هُدي إلى الصراط المستقيم ينبغي ألَّا يغتر بنفسه ؛ إذ الهداية في حقيقتها فيض مستمر وعطاء دائم ، ويمكن أن ينقطع ذلك الفيض في أي وقت من الأوقات . ولهذا قال الله سبحانه : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ « 1 » . وورد في الدعاء المأثور عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : (
رَبِّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَدًا ) « 2 » .
وكلمة ( رَبِّ ) الواردة هنا تعتبر ذات دلالة لطيفة جدًّا ، لأن الربّ هو الذي يربّي ، وهو يواصل نعمه على المخلوق لحظة بلحظة ، وهو الذي خلقه من نطفة ، ثم جعل النطفة علقة ، ثم مضغة ، ثم كساه لحمًا ، ثم خلقه أطوارًا ؛ يرعاه من طور إلى طور . فهو معه في كلّ الحالات إلى أن اكتمل وأصبح رجلًا سويًّا ، وهو الذي منحه الهدى والنور باستمرار ، مما يفرض على الإنسان أن يكون دائم التوجّه إلى ربّه ، لئلَّا ينقطع عنه الهدى ، أو تحول الأسباب دون فلاحه .
وقد سبق أنّ التطلع إلى السعادة من فطرة الإنسان ، فكلّ إنسان يبحث عنها ولكن لا يعرف كيف يحصل عليها ، وقد جاء القرآن الحكيم لبيان ما يحقّق له هذه الأمنية الشائقة التي تداعب الوجدان .
إرادة الإنسان وهداية اللَّه
العلاقة وطيدة بين إرادة الإنسان وحرّيته في الاختيار ، وبين
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية : 8 .
( 2 ) الأصول من الكافي ، ج 2 ، ص 581 .