النظرة الشمولية للحياة
وهكذا الإنسان ذو الشخصيّة المميّزة ، ومن يتمتّع بثقة بالغة بنفسه ، ولديه من الإيمان ما يجلّه ، إنه يحترم عهده ؛ وأول عهد يحترم ، عهده مع الله تعالى ، ذلك العهد الذي قطعه على نفسه حين تعرّضه للشدائد .
فهو يفي بعهده ، لأنه يعرف حاجته دومًا لربّ العالمين ، هذا أوّلًا .
ثم إنّ الملتزم بعهده يمتاز بنظرة شمولية للحياة في الدنيا وفي الآخرة ، ولذلك فهو يفكّر تفكيرًا يمتد من حاضره لمستقبله ، ولا ينظر فقط إلى اللحظة التي يعيشها . وهذه صفة الإنسان الصبور ؛ إنه يجعل المستقبل في حساباته ، فلا يغدر ، ولا ينقض الميثاق ، وهو حينما يفعل ذلك ، فإن صفة اليقين المتوفّرة لديه ولو بنسبة ضئيلة تستمر معه . وهذا الواقع يمنع الإنسان من الغدر والختر ، ويُحرِّضه على الوفاء .
قصّة وعبرة
وبهذا المنحى ، يُنقل أن ملكًا هاجم العدو دولته ، فتعهّد مع ربه إذا تحقّق له النصر ، زاد في عطاء جنده ، قدرًا مقدورًا . ولكنّه حينما أراد الوفاء بنذره ، وجد أن ما سيعطيه للجنود يشكّل عبئًا على ميزانيته ، فاستشار وزراءه ، فلم يهتدوا إلى رأي واحد ، فاقترح أحدهم أن يُؤتى برجل من عامة الناس فيسأله فجاؤوا إليه بأعرابي ، فطرحوا عليه المسألة بطريقة مبهمة .
فقال : أيها الملك ؛ إذا كنت من نذرت له محط حاجتك إليه في المستقبل أيضًا ، فعليك أن تفي بنذرك ، وإلَّا فأنت في غنىً عن الوفاء .