لعلّنا نستفيد من الآيتين : الحادية والثلاثين ، ثم الثانية والثلاثين من هذه السورة المباركة بأن هناك صفة لدى كل إنسان ، إن وُجدت استفاد من ومضات اليقين هذه ؛ وهذه الصفة هي صفة الشكر ، وهكذا صفة الصبر . وتقابل صفة الشكر الكفران ، ويقابل صفة الصبر الغدر ، وقد عبّر عنه القرآن الحكيم بالختر ، ولعله أغلظ من الغدر .
ونعود ونتساءل مرّة أخرى ونقول : كيف يمكن للإنسان أن يكون صبورًا ، ولا يكون ختّارًا ؟ ! .
نفهم من الآيات بصورة مجملة أن هناك علاقة وثيقة ، بل انسجامًا واندماجًا بين الإيمان وبين هاتين الصفتين ؛ أعني صفة الشكر والصبر . كما أن هناك صلة قريبة بين الكفران والغدر من جهة ، وبين جحود آيات الله سبحانه وتعالى من جهة أخرى .
أمّا الجواب الحقيقي على التساؤلات أعلاه ، فنجدها عند كلٍّ من علماء الأخلاق والنفس والتربية ، إذ يشيرون إلى أن الإنسان الواثق من نفسه ، المحترم لها ؛ والذي يحس بشخصيّته المتكاملة في الداخل ، دون الذي لا يرى من ذاته إلَّا هيكلها الخارجي ، بل يعيش بقلبه شخصيّة متميّزة . . فهو يكون وفيًّا
بعهده ، صبورًا على ما يتعرّض ، شكورًا على ما ينال ؛ لأنه يأبى على نفسه أن يكون ختّارًا غدّارًا .
وكمثال على ذلك ما رُويَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عِيسَى قَالَ : ( ضَاقَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهما السلام ضِيقَةٌ ، فَأَتَى مَوْلًى لَهُ فَقَالَ لَهُ : أَقْرِضْنِي عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ .
فَقَالَ : لَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي ، وَلَكِنْ أُرِيدُ وَثِيقَةً .
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 276
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٦