حياته حياة خاضعة للحالة الروتينية ؛ إذ ينطلق المرء في البحار ويرى الآفاق وعجائب الخلقة غير المألوفة لنفسه ، كما هي في البر ، وكلّما رأى المرء الآيات ازداد وعيًا وحكمة وكمالًا .
ثم إن النظرة إلى البحر ينبغي أن تكون نظرة تنتهي إلى معرفة أن البحار وما فيها من موانئ تعتبر نقاط تواصل بين الحضارات البشريّة . وواضح أن القدرة الإنسانية على التكامل الحضاري تعد بحد ذاتها نعمة إلهيّة ، وهذه واحدة من مفاتح العلم وأصول المعرفة وسبل التكامل التي يُحرِّضنا القرآن الكريم على الاهتداء إليها . وليس ذلك إلَّا لنعتبرها وسيلةً للبحث الجدّي والانطلاق في الحياة .
وكتاب الله المجيد قد أمر المسلمين بأن يسيروا في الأرض برّها وبحرها ليعرفوا حقيقة الخلقة ، ويتأكّدوا من بدء الخليقة . وهذا الأمر بالتحرّك لهذا النوع من المعرفة ، سواء خلقة الإنسان أو الحيوانات أو النباتات ، أو حتى خلقة الصخور وانفصال الأرض عن الشمس ، يُعطي الباحث مزيدًا من المعلومات حول النفس الإنسانيّة ؛ نظرًا لأن التاريخ هو مصباح المستقبل ، ولأن من لا يعرف تاريخه الماضي ، لا ريب سيجهل مستقبله .
كما أن ربّنا المتعال أمرنا بأن نسير في الأرض ، لنعرف كيف كانت عاقبة الذين ظلموا ؛ أي عاقبة الحضارات التي سادت وازدهرت ثم بادت ، لنعرف لماذا بادت ؟ لأن معرفتنا بنهايات الحضارات تعطينا دراسة عميقة في عوامل الصعود والسقوط ، وفي عوامل التقدّم والانهيار .
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 269
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٩