ولعلّ هذا التقصير تجاه القرآن ، يجري أيضًا عند بعض المؤمنين ، إذ يتخيّلون أنهم بمجرّد قراءتهم للآيات سيحصلون على المعرفة التامّة والإيمان الكامل . والحال أن القرآن الكريم يحثّهم على القيام بفعل النظر والاعتبار والتفكّر والتدبّر ، مما يشير إلى أن زيادة الإيمان منوطة بحركة الإنسان وتوجّهه بنفسه ، وبالتالي بجهده الفكري والعاطفي تجاه الإيمان . أمّا الإيمان ؛ فهو لا ينزل من السماء مباشرة إليهم من دون فعل منهم .
الفاصل بين القرآن والدراسات الحديثة
وبالرغم من أن الباحثين غير المسلمين يقومون اليوم بدراسات ميدانية للآثار ، ولكن هناك فاصل بين منهج القرآن الكريم والمناهج الحديثة ، حيث إن هذه الآخيرة تهدينا إلى معرفة التاريخ علميًّا من خلال الوقائع التي جرت فحسب ، في حين أن القرآن يأمرنا بدراسة الوقائع ومعرفة أسبابها والاعتبار بها ؛ بمعنى تحويل الحدث التاريخي إلى قيمة حضارية في أنفسنا وإلى سلوك حكيم في مشاربنا ومذاهبنا ، وهذا شيء مهم للغاية .
نعم ؛ إنّ الاعتبار له أهميّة قصوى ، إذ مجرّد العلم الذي لا يتحوّل إلى عمل وسلوك وحكمة ، يبقى عديم الفائدة أو قليلها .
ولو أن قوّة بشريّة حكمت العالم بأسره ، ولكنّها كانت تفتقر إلى الخبرة والحكمة ، ولم تدرس وتعتبر من الأسباب التي أطاحت بالقوى السابقة ، فإنها لا ريب لن تدوم طويلًا ، وسرعان ما ستتهاوى ، خصوصًا وأنها تحتضن عوامل سقوطها بنفسها ، قبل أن يسقطها أعداؤها .