وقال في الآية الخامسة عشرة : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا .
وفي الآية العشرين صرّح بالقول : وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ .
فالجهل إذن ؛ يمثل درجة عالية جدًّا من الخطورة ، والقرآن المجيد قد كرّر عبارة بِغَيْرِ عِلْمٍ ؛ في ثلاثة موارد ، وكرّر ما تعنيه أكثر من مرّة . . وقال في الآية الخامسة والعشرين أيضًا : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي أنه كرّر الحديث عن الجهل الذي هو غير العلم في كلّ خمس آيات .
فالجهل هو شيء عدمي ، والعدمي يعرف بالوجودي ، كأن نقول حينما نريد أن نبيّن معنى الظلام : الظلام عدم النور ، أو نقول الموت : عدم الحياة . وهكذا نقول : إن الجهل عدم العلم .
فربّنا المتعال يهدينا إلى أن محور الحكمة ، كما محور التكامل البشري ، هو العلم .
والاعتراف بالجهل بداية العلم ، ولكن كيف نعترف بالحهل ؟ .
يتحصّل الاعتراف بالجهل من خلال الإقرار بأن العلم أوسع مدًى وأبعد أفقًا مما يملك المرء من المعلومات الضئيلة . وقد تجلَّى هذا عند كبار علمائنا وفقهائنا ، وانطلاقًا من أرواحهم الزاكية ونفوسهم المتأدبة ، كلما ازدادوا علمًا ترسّخ لديهم الاعتراف بجهلهم بعد أن يتأكّد لهم أن أشياء كثيرة لا يزالون يجهلونها . وهكذا تجد أنه كلّما تقدّم العلم الحديث اكتشف آفاقًا جديدة منه ، وعرفوا يقينًا أنهم
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 225
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٥