تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
ولقد كانت البشرية تائهة في صحاري الجهل يوم نزول القرآن الكريم ، فكانت تزعم جهلًا أن بضعة كلمات تعرفها ، وبضعة أبيات شعريّة تحفظها ، وبضعة حِكَمٍ تتناقلها ، هي كلّ العلم ! مثلهم في ذلك مثل فلاسفة اليونان الأقدمين . وإذا رجع الإنسان إلى فلاسفة اليونان ، أو إلى كلمات عرب الجاهلية الساذجة ، أو إلى أيَّة ثقافة بشريّة أخرى كانت قبل نزول الوحي ، تبين له أن كلّ طائفة وأمّة كانت تزعم أن جملة معلوماتها ، والتي كانت تمتاز بالبساطة ، ويشوبها الكثير من الجهل ، والكثير من التعميمات ، أنها تُمثِّل العلم كلّه ، حتى أن الواحد من أفراد هذه الأمة أو تلك الطائفة كان يتبختر ويظن أنه قد بلغ ذروة العلم وسنام المعرفة . في حين أن القرآن المجيد فاجأ البشريّة كلّها بالقول الصريح : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 1 » . ولفرط الجهل المتفشي في الناس ، فإن بعضًا منهم ، وخصوصًا اليهود ، قد اعترضوا على هذا القول الربّاني الشريف . وعن هذا ، قال ابن جريج قال حي بن أخطب : ( تزعم يا محمد ؛ إنَّا لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا ، وتقول : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 2 » ، فكيف يجتمعان ؟ ! . فنزل قوله تعالى : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي . . « 3 » ، ونزل : وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ . . ) « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، آية : 85 . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : 269 . ( 3 ) سورة الكهف ، آية : 109 . ( 4 ) التبيان في تفسير القرآن ، الشيخ الطوسي ، ج 7 ، ص 100 .