قبل الخوض في تفصيل معاني هذا المقطع القرآني المقدّس ، أرى من المناسب بمكان أن أشير إلى أن ما قد يُضمره الإنسان في نفسه لابد وأن يظهر في سلوكه ، شاء أم أبى . وقد رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ صلى الله عليه وآله :
( أَمَا إِنَّهُ لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ ) « 1 » .
والقرآن المجيد حين يأمر الإنسان بأَلَّا يُصعّر خدّه للناس ، وأَلَّا يمشي في الأرض مرحًا . . لأن هذه الحالات السلبية تأخذ لنفسها واقعًا خارجيًّا سلبيًّا أيضًا ، وظهور هذه الصفات أمر مرفوض ومُدان من قبل الشارع المقدّس .
وما أحرى بابن آدم أن يتعرّف على ذاته ويغور في آفاق حقيقته ، وإذ ذاك سيعلم بأنه عاجز عن خرق الأرض ، وعاجز أيضًا عن مجاراة الجبال في ارتفاعها ، مما يدفعه إلى مزيد من التواضع الواعي وعدم الشعور بالكبر والعظمة والمرح الذي يمثّل منتهى الفرح .
والإنسان جدير به أن يفكّر ويمعن النظر جيّدًا فيما لديه من نعم وإمكانات وميزات ، فيتأكّد أن جميعها زائل من بين يديه .
هذا من ناحية ؛ ومن ناحية أخرى ، عليه أن يعرف أن هناك الكثير من الإمكانات والميزات لا يزال يفتقر إليها ولا يمتلكها . بمعنى أنه إذا كان التكبّر والمرح بسبب امتلاك ميزات معينة ، فإن عدم امتلاك غيرها لابدّ أن يستتبعه التواضع والخشوع . . هذا إضافة إلى أن كلّ نعمة يتمتّع بها المرء تقابلها فريضة إبداء الشكر عليها ، وذلك بتحمل مسؤوليتها ، فإن لم يفعل فإنها تتحول إلى نقمة . فهل تأكد من قدرته عليها ؟ فلماذا الفرح بها والمرح ؟ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 81 ، ص 228 .