للناس ويستعلي عليهم أن يسوق رؤيته وموقفه مما لديه ضمن جادّة الشكر ، وأن ينطلق من منطلق تزكية ما لديه عبر أداء ما عليه من حقوق ؛ فلا يحوّل نعمة العلم مثلًا إلى وسيلة استعلاء على الجهلة ، وإنما يسعى إلى أداء حقّ العلم ، فيُعلّم من يحتاج إلى العلم . وهكذا هو شأن سائر النعم التي يتمتّع بها ويحوز عليها . وأداء الحق هذا يعادل فضيلة التواضع ، كما يُجنِّب صاحبه العقد النفسيّة ورذائل الأخلاق التي يجد المرء نفسه متورّطًا في نتائجها .
إنّ عقدة التكبّر والتصعير مرض شيطاني ، ومن المفترض بالإنسان أن يقي نفسه شرّ هذه العقدة ، وإن أُصيب بها ، فعليه أن يعالجها بالوسائل الصحيحة الناجعة .
حتى أن الشيطان ليوحي إلى الإنسان بمجموعة من القيم الزائفة التي يجمعها التظاهر الفظ ، ثم يؤكّد له خطلًا أن رفعة شأنه تتحقّق له إذا ما ارتدى ملابس جميلة جذّابة ، أو ملك مالًا طائلًا ، أو تمتّع بعلم أو جاه . وينسى في هذا الخضم أنه لا يعدو أن يكون مجرّد إنسان ، والإنسان مفعهم بالضعف من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه .
ولقد عاشرت عددًا من العلماء والفقهاء ، فرأيت فيهم التواضع ، ومنهم من كان يسعى حثيثًا لأن يجعل نفسه أقل من الآخرين ، وقاية من الشيطان الذي يدفعه لأن يتصوّر السمو على غيره . فتراه يتنازل ، ضمن سلوك أخلاقي رفيع ، حتى عن حقوقه البسيطة ، وعن مستوى الآخرين ليتوازن معهم .
ثم يقول ربّنا المتعال : وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً .
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 178
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٨