إذن ؛ فجماع الفضائل يتلخّص في كلمة ، هي عدم الاستعلاء على الناس ، وأن يُعطى الفرد حقوقه دون أن ينكر شيئًا منها أو يُبخس بعضًا . هذا هو أصل الحكمة في التعامل مع الآخرين ، والذي لخَّصه حديث شريف عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
: ( فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا . . ) « 1 » .
ولكننا مع ذلك بحاجة إلى البحث عن المصاديق والمفردات التي تتجلّى فيها الحكمة .
وقد أغنانا ربنا سبحانه مهمة البحث عن المصاديق ، بل فصّلها ، فقال على لسان لقمان الحكيم : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ .
والتصعير حالة مرضيّة تُصيب الإبل في بعض الأحيان تُسبِّب له التواءً في العنق ، وهي تُسمّى الصَّعَر . أمّا لدى الإنسان ، فهي حالة تشير إلى عدم اهتمامه بالآخرين تكبّرًا عليهم ، فيعتبر نفسه أسمى من غيره ، ولا يعير لآراء الآخرين أهميّة تُذكر ، فلا يتعاون ولا يتشاور ولا يستفيد ولا يفيدهم في فكرة أو شيء آخر . بل من فرط تكبّره على الناس ، تراه لا يهتم بما يلحق به من الضرر في انعزاله عنهم . مع أن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال :
( مَنْ كَفَّ يَدَهُ عَنِ النَّاسِ ، فَإِنَّمَا يَكُفُّ عَنْهُمْ يَداً وَاحِدَةً ، وَيَكُفُّونَ عَنْهُ أَيْدِيَ كَثِيرَةً ) « 2 »
. أمّا التعاون مع الناس والالتفات إليهم ، فهو بمثابة الاعتراف بوجودهم والقول بكرامتهم وشخصيّاتهم .
وقد يكون عدم اهتمام الإنسان بمن حوله ، بداعي الانطواء ، أو التكبّر ، أو العداء تجاهم ، في وقت كان مفترضًا بمن يصعّر خدّه
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، رسالة رقم 31 .
( 2 ) الأصول من الكافي ، ج 2 ، ص 117 .