التي ولدته ، ثم هي التي ترعاه وتحتضنه وترضعه ، ومن ثم تتسع هذه العلاقة لتعود إلى الأب الذي أخرج الإنسان من صلبه بادئ بدء ، ومن ثم إلى الآخرين ؛ حسب مواقعهم وأدوارهم المتنوّعة .
فكان حريًّا بالإنسان أن يرسم علاقته بغيره ، ابتداءً من ترسيم علاقته بالله سبحانه ، فينظمها ويجعل لها ضوابط محدّدة . وهذا الترسيم قد كفانا الرب عناءَه ، حيث أكَّد على ضرورة أن تكون علاقةالإنسان بأُمّه علاقة شكر ، لأنها حملته وهنًا على وهن واحتضنته وسهرت عليه وأتعبت نفسها من أجله ووهبته من عصارة حياتها . وكلّ هذا العناء قد بذلته الأُم لينمو ابنها الصغير ويترعرع ، مع أمنياتها له بالسعادة والسرور ، ودفاعها عنه دفاع المستميت .
لا شكر مع شرك
ولكن الشكر مع كلّ ذلك ينبغي أَلَّا يتحوّل إلى طيف من أطياف الشرك ؛ أي إلى الطاعة المطلقة ، وإلى العبوديّة . وقد تقدّم القول ، بأن الطاعة والعبوديّة لا تكون إلَّا لله سبحانه وتعالى . وإذا كان الله قد أمر بطاعة الوالدين ، فإنما نُطيعهما طاعةً له عزّ اسمه .
أمّا إذا اختلفت الحالة ، فأمر أحد الأبوين بما يخالف أمر ربّ العالمين ؛ أي بالقيام بعمل لا يرضاه الله ويتنافى مع طاعته . . إذ ذاك يكون الإنسان أمام مفترق طرق ؛ فإمّا أن يعبد الله أو يعبد أباه . . فإذا عبد أباه ، خرج عن طاعة الله ، وتورّط في رذيلة الشرك . علمًا أن للشرك درجات ومستويات ؛ منها شرك الركوع والسجود ، ومنها شرك الطاعة التي لا تصب في طاعة الله تعالى . . فيما الله قد حرّم على الإنسان أن يرسم لنفسه خارطة الطاعة ، ولم يُجز له أن يُشرّع لذاته قانونًا يخرج به عن قانونه هو عزّ وجلّ ، وهو القائل في محكم