تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
المساعدة على بقاء النعمة ، فيحاول المحافظة عليها بشكل عملي . إذ النعم عادةً ما لا تبقى ، ما لم يحافظ الفرد عليها . والصحّة مثلٌ على ذلك ، حيث لا يمكن أن نتصوّر فردًا يشكر ربّه على نعمة الصحّة ، وهو يفرّط بها ولا يهتم لصونها . وكذلك نعمة الأمن والمال والجاه والعلم وغير ذلك . والمؤمن يتفطّن من خلال الشكر ، ومن خلال اهتمامه بعوامل وجود النعمة وبقائها ، إلى حقائق الحياة وسننها العميقة . هذه السنن الثابتة التي لا تعرف الهزو واللعب . ولذلك ، أضحى الشكور فطنًا ذكيًّا ، ينظر إلى الأمور نظرةً عميقة ، ومن خلال نظرته وبحثه عن عوامل النعمة ، يتعرّف شيئًا فشيئًا إلى حقائق الكون والحياة الاجتماعية والسياسيّة والثقافية والاقتصادية . ولعلّي قد خلصت إلى هذه الحقيقة من خلال قراءتي للآيتين ( 120121 ) من سورة النحل المباركة ، حيث قال الله عزّ اسمه : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وهذا الاجتباء وهذه الهداية قد تأتّيا كميراثٍ لشكره . وإذا كنت أكثر دقّة ، وجدت العلاقة قريبة من قوله تعالى : وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ، لأن الشكر يقف في النقطة المقابلة للشرك . فالشكر هو التوجّه إلى الله المنعم ، في حين أن الشرك هو التوجّه إلى غير الله المنعم ، وإشراك غير الله في النعمة ، وحيث يظن المرء أن ما به من النعم قد جاءته من غير الله ، فإنه لا يُعير أهميّة