لا يمكن تصوّر ذات الرب ، ولا شبيه له في خلقه حتى يُعرف به . وإنما خلقه يُعرفون به . ولو كان الله يُشبه خلقه لما كانت بنا حاجة إليه ، حيث نكتفي بشبيهه عنه ، ولما كنّا نحتاج إلى التعرّف إليه ، لأن لدينا ما يشبهه .
إنّ الأمر ليس كما يحلو لبعض الجهلة من الملحدين والمشركين والمتهرّبين من معرفة ربهم ، وإنما معرفتنا بالخلائق وما فيها من حاجة ومحدوديّة ونقاط ضعف ، جعلتنا نبحث عن ربّ كان السبب في وجود هذه المخلوقات .
فلكي نعرف الله سبحانه وتعالى ، لابدّ أن نعرفه بطريقة مختلفة عن معرفة الخليقة . فإذا رأينا في الخلق نقصًا ، لزمنا أن نقول : سبحان الله ؛ فهو وحده الذي لا نقص فيه . وإذا أدركنا أن لهذا المخلوق أو ذاك أجلًا ، عرفنا أن ربّنا لا أجل له . وإذا كانت الخليقة مؤطرة بحدود الزمان والمكان ، فإن الله سبحانه لا حدّ له ، لأنه هو الخالق لكلّ حدّ .
ونقرأ لأمير المؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح هذه المقطوعة الرائعة ، حيث جاء فيها
: ( يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجَانَسَةِ
مَخْلُوقَاتِهِ ، وَجَلَّ عَنْ مُلَاءَمَةِ كَيْفِيَّاتِهِ ، يَا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَطَرَاتِ الظُّنُونِ ، وَبَعُدَ عَنْ لَحَظَاتِ الْعُيُونِ ، وَعَلِمَ بِمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُون ) « 1 » .
كثيرًا ما نقرأ مثل هذه الكلمات الرائعة عن أهل البيتعليهم السلام ، وهي تشير بمجموعها إلى أن الله تعالى ليس كخلقه ، وهو الذي ليس كمثله شيء ؛ إذ كلّ شيء يُرى ، وهو سبحانه لا يُرى ، فلا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، ولا
هامش
( 1 ) مفاتيح الجنان ، دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام .