تفصيل القول :
إنّ من الوساوس الشيطانية ما هي عميقة الجذور في واقع الإنسان ، وقد تتبلور في قوالب فلسفية مُضلة ، ومنها أن الحق يتمثل فيما يفعله الإنسان أو يقوله ، وتنفي هذه الفلسفة الشيطانية والثقافة الشريرة أي ميزان للحق والباطل خارج نفس البشر وإرادته ، ويزعم أن الحق برمته والصواب بعينه يتمثل في فعل الإنسان وقوله . وبتعبير آخر : إن ما يقوم به ابن آدم يتحوَّل إلى حق وحقيقة .
وقد تبنَّى - البعض - هذه الفلسفة بعد البعثة النبوية عُرِفوا فيما بعد بالمُصوِّبة ، ثم تسرَّبت إلى جملة من الغربيين فيما سُمِّي بالوجودية ، وقادها جون بول سارتر في فرنسا ، حيث جعل أساس فكرته أن الإنسان هو محور الخلق ، وكفر بمحورية الحق والعقل وحتى إرادة الله تعالى .
ولكن رسالة السماء نزلت لتدحض هذه الأنانية البشرية مؤكدة أنَّ ثمة ميزانًا للحق يرسم حقيقة الحق وصورته ، كما يُحدِّد أصل الباطل وملامحه ، مشيرًا إلى أن العقل المتصل بوحي الله سبحانه وتعالى هو الذي يُحدِّد له جوانب الحق وزوايا الباطل ثم يتكامل .
وهذا الميزان يتجلَّى في كتاب الله وفي النبي والإمام ؛ ذلك لأن الميزان الحق هو - في الأصل - إرادة الله سبحانه وتعالى ، وإذا أراد أن يبلغ ابن آدم مراتب الشرف فعليه أن يتعلَّق بالإرادة الإلهية التي شاء الله أن تترجم في أرض الواقع على لسان الرسالة المُنزلة من عنده هو ، وعلى لسان النبي والإمام المنصوبين من قبله هو . وإلى هذه الحقيقة السامية أشار الحديث النبوي الشريف بقوله : (
عَلِيٌّ مَعَ الحَقِّ ، وَالحَقُّ مَعَهُ ، لَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ
) « 1 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 38 ، ص 95 .