3 - أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ .
هذا المشهد الرهيب في يوم الحشر ، حيث الله عز وجل يسأل القوم لماذا ضلوا . إنه قد ينعكس اليوم في واقعنا بإثارة وجدان كل منا ، إنه هو المسؤول الأول عن اختياره الهدى أو الضلال .
حيث إننا حين نرجع إلى أنفسنا ونستحضر ضميرنا نعرف كيف أن الآخرين لم يكونوا يملكون قرارنا في اختيار طريق الهدى أو عدمه . وهكذا تتجلى لدينا بصيرة الحرية البشرية التامة التي تتحدى كل الضغوط إن شاء الإنسان بإذن ربه . وفي كتاب ربنا المزيد من القصص الحق التي يذكرنا بها الرَّبّ ، والتي تؤكد هذه البصيرة . فهذا النبي يوسف على نبينا وآله وعليه السلام تراه تحدَّى بإذن الله ضغوط السلطة الجائرة وإغراءاتها . وهذه آسية بنت مزاحم زوجة فرعون ، تراها تتحدَّى كل جبروت زوجها الطاغية .
كلَّا ؛ كل فتن الدنيا ليست عللًا لإجبار البشر على الضلالة ؛ فلا الطغاة وإرهابهم ، ولا المترفون وإغراءاتهم ، ولا المجتمع وضغوطه ؛ تستطيع استلاب حرية القرار من البشر . ولهذا فإن من يضل سيُعاقب على ضلاله كما يُعاقب من ساهم في إضلال الناس .
ونستفيد من هذه الآية أن الإنسان حينما يعبد من دون الله تعالى صنمًا ، مثلًا ، فهو - في الحقيقة - لا يعبد الحجارة أو الحديد أو الخشب أو ما صنع منه الصنم ، بل إنما يعبد - بادئ ذي بدء - أولئك الذي أقنعوه بعبادة الصنم ، وتلك الأفكار التي نشروها لعبادة الصنم . بل وإن ابن آدم حينما ينصاع لأقوال هؤلاء في عبادة الصنم ، فإنما يعبد هواه .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 83
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٣