كما وأنه يُحبُّه ويكفيه أمور الدنيا والآخرة ؛ لأن التوكُّل بحد ذاته تجلٍّ سامٍ لبصيرة ربانية عظمية وسلوكٌ فذٌّ ، يتجلى باقرار الإنسان بالضعف والعجز ، والتطلُّع إلى مَنْ يزيح هذا الضعف ويسدّ هذا العجز ، ومَنْ غير الله الخالق الجبّار يقدر على إزاحة ضعف الإنسان وسد عجزه ؟ .
2 - عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ .
ظاهر هذه الكلمة المقدسة أمرٌ من الله تعالى إلى الرسول المصطفى ( ص ) ، ولكن واقعها العميق يُشير إلى دليل قاطع على صدق الرسالة المحمدية ، وعلى أن الحبيب المصطفى إنما هو رسول من عند الله تبارك وتعالى .
ولكن ؛ لماذا ورد وصف : الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ؟ .
يكون التوكُّل والاعتماد من جانب الإنسان على مَنْ له صفة الرعاية الدائمة والمطلقة ، وليس على مَنْ ينقصه النوم أو الموت . . ولو اعتمد المرء على من ينام أو يموت لما استفاد شيئًا .
وحيث تُطلق هذه الصفة على الله تعالى ، فهي كذلك تعريف بالآخرين من دونه ؛ أي أن ما سوى الرَّبِّ لا ينبغي الاعتماد عليه ، كما أن من ينام أو يموت لا ينبغي أن يكون ربًّا ، لأن الرَّبِّ هو الراعي والمتلطف بعباده ؛ وأية رعاية ، وأي لطف يبقى لدى مدعي الربوبية في حالة نومه أو موته ؟ .
فكان لابد لابن آدم أن يعتمد على قوة ترفده وتكفيه في كافة الأحوال وعلى وجه الدوام ، والله تعالى قوي لا يضعف بنوم أو موت ، كما هو عادل حكيم ولا يرد الخلل في عدله وحكمته ، فهو
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 234
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٤