ولا يخفى انّ الأولين من تلك الأمور الثلاثة لا يدلّان على ما هو المطلوب منهما على وجه العموم بحيث يشمل شيء منهما غير الخبر الحسّى الاصطلاحي الذي ليس نقل الاجماع من قبيله وان كان نظيره في المعنى ولا يتم الامر بهما بضميمة تنقيح المناط القطعي أو عدم القول بالفصل أيضا لوضوح القائل بالفصل وكون المناط ظنّا ملحقا بالقياس الممنوع في مذهبنا مع ما يلزم عليه من الأمور المخالفة لطريقة أكثر الأصحاب القائلين بما هو المختار من الاقتصار على الظنون المخصوصة ومنه يظهر سقوط الدلالة بالفحوى بنفس الفحوى وامّا الآيات الشريفة فعمدتها وما يتجه التمسّك بها الحسىّ والحدسي في مسئلة حجّية اخبار الآحاد الاصطلاحية انّما هي آية النّبإ وهي كما نبه عليه بعض المحققين من مشايخنا المعاصرين « 1 » فقال انّما تدلّ على وجوب قبول خبر العادل دون خبر الفاسق والظاهر منه بقرينة التفصيل بين العادل حين الاخبار والفاسق بقرينة تعليل اختصاص التبيّن بخبر الفاسق بقيام احتمال الوقوع في النّدم احتمالا مساويا لان الفاسق لا رادع له عن الكذب هو عدم الاعتناء باحتمال تعمّد كذبه لا وجوب البناء على اصابته وعدم خطائه في حدسه لان العدالة والفسق حين الاخبار لا يصلحان مناطا لتعليل الفرق به فعلمنا في ذلك انّ المقصود من الآية إرادة نفى تعمّد الكذب عن العادل حين الاخبار دون الفاسق لانّ هذا هو الذي يصلح لإناطيته بالفسق والعدالة حين الاخبار ومنه تبين عدم دلالة الآية على قبول الشهادة الحدسية إذا قلنا بدلالة الآية على اعتبار شهادة العدل ثم فصّل الكلام بعبارات كثيرة ملخّصها ان الخبر الحسّى الذي دلّت الآية على قبوله من العدل يمكن دفع الغفلة والاشتباه عنه باصالة عدم الخطاء في الحسّ الّتى هي أصل أطبق عليه العقلاء والعلماء في جميع الموارد بخلاف الخبر الحدسي الذي لا يجرى فيه ذاك الأصل فلا يدلّ الآية على وجوب قبول خبر العادل إذا لم يمكن نفى خطائه باصالة عدم الخطاء المختصّة بالاخبار الحسيّة ويمكن ان يجاب عنه بوجوه ستة أحدها انّ هذا الايراد مبنىّ على شمول اطلاق البناء في الآية الشريفة لكلّ من البناء الحسّى والحدسي والّا لكان عدم شموله للحدسى كافيا في منع دلالته على قبول هذا القسم من البناء ولما احتاج المورد إلى ما بنى عليه من دلالة التفصيل والتّعليل على اختصاص الآية بقبول خبر العدل في الحسىّ
هامش
( 1 ) هو المحقق الأنصاري ره منه دام ظله