لا ينفى الّا القدر الذي كان يشمله مدخولها ولا يخفى بأنه لا يدلّ على أزيد من ذلك ولا سيّما بعد ملاحظة سياق الخبرين والالتفات إلى موردهما فانّه يكشف عن انّ المراد من نفى الخبر نفى الحليّة واثبات الحرمة لا نفى جميع الخيرات وامّا الجواب عن الخامس الذي هو مستند جماعة من متاخّرى المتأخرين المفرطين في التمسّك بالاجماعات المنقولة فبان الاجماع المنقول لا يكون حجة عند هؤلاء وغيرهم من القائلين بحجّيته الّا في صورة افادته الظنّ بتحقق الاجماع ومن جهة اتصافه بذاك الوصف والاجماع المنقول في هذا المقام ممّا لا يفيد ظنّا بل يكون الظنّ في خلافه فلا يكون حجة امّا المقدّمة الأولى فلانّ الاجماع المنقول بنقل بعض الأعيان في قوّة الخبر الواحد والادلّة الدالّة على حجّية الخبر الواحد من آية النبأ وغيرها لا يقتضى حجّيتها مط وغاية ما يستفاد منها حجّيتها في صورة الظنّ ومن باب الوصف كما أشرنا اليه سابقا فكيف تقتضى حجّية ما في قوته تعبّدا
[ في بيان ذكر مذهب القدماء في العصير ]
وامّا الثانية فلما مرّ من أن القول بتنجّس العصير بعد الغليان أو بعد الغليان والشدّة ممّا لم يكن معروفا بين قدماء أصحابنا في الصّدر الأول ولم يظهر منه اثر في شيء ممّا بين يدينا من كتب أعاظمهم كالصّدوقين والشيخين والسيّدين وجماعة ممّن تقدّمهم أو عاصرهم أو تاخّر عنهم وانّما هو مذهب نشأ عن ابني حمزة وإدريس ثم تبعهما الفاضلان ثم اقتفى اثر هؤلاء جمع من معاصريهم والمتأخرين عنهم إلى أن اشتهر بين جماعة كثيرة من المتأخرين بحيث التبس الامر على جمع من معاصريهم والمتأخرين عنهم فادّعى بعضهم الشّهرة المطلقة ونسبه بعضهم إلى الأكثر مط وادّعى الفاضل المقداد وبعض آخر الاتفاق عليه وأنت خبير بانّ العصير كان شايعا في سائر الأعصار والأمصار وقد تعرض قدماء أصحابنا ومتأخريهم لبيان حرمته بالغليان في أبواب الأطعمة والأشربة وفي جملة من مباحث البيوع والأنكحة وغيرها ووردت فيها اخبار كثيرة عن أهل بيت العصمة والطّهارة فلو كان القول بتنجّسه بعد الغليان أو بعد الغليان والقوام مذهبا لأكثر من تقدم على الفاضلين لما كانوا يسكتون عنه في مقام حصر النجاسات وبيان منزوحات البئر ولكانوا يصرّحون به ويتكلّمون فيه وفي فروعه كما تعرضوا لحكم الخمر والفقّاع وبينوا الحكم بنجاستهما وتكلّموا فيهما وأجابوا عن بعض من خالفهم في ذلك وأيضا لو كان الامر كذلك لكان يقع التّصريح به في جملة من الاخبار كما وقع التّصريح فيها بالنّسبة إلى سائر احكامه