ممّن لم يكن قصدهم الحق بل كان وكدهم العصبية و طلب العيوب فحرّفوا و بدّلوا و لم يقدروا مع الجهد و العناء و القصد التامّ على الكشف و الإيضاح فإنّا مع شدّة العناية بذلك نعلم أنّا لم نبلغ من الواجب فيه ايسر اليسير لأن الأمر في نفسه صعب ممتنع جدّا . انتهى كلام الفارابى في ما أفاده من البحث عن المثل .
اقول : في كلامه - قدّس سرّه - اشارات انيقة دقيقة جدّا إلى أصول و أمّهات حكميّة و هي سبل إلى كثير من مطالب شريفة عقلية مفيدة لطالبى الإيقان و محصّلي الحكمة في أنحاء المباحث عن ماوراء الطبيعة فلنشر إلى طائفة منها ممّا يهمّنا في ما نحن بصدده ، و أزمّة التحقيق بيده تعالى شأنه ، و إفاضة العلوم و إنارة العقول منه سبحانه ، فنقول :
رأى الفارابى أن اللّه سبحانه لما كان فاعل كلّ معقول و محسوس ، و معطى الشيء لم يكن فاقده البتّة فصور جميع الموجودات حاضرة لديه تعالى شأنه بنحو أعلى و أتم ؛ و الصورة هيهنا بمعنى حقيقة الشيء كما هو أحد معانى الصورة ، المذكور جميعها في آخر الفصل الرابع من المقالة السادسة من إلهيّات الشفاء « 1 » و في اول الفصل السابع من المرحلة الرابعة من الأسفار « 2 » ، و في الفصل العاشر من المقالة الأولى من طبيعيات الشفاء ايضا « 3 » ، و لمّا كان اللّه جلّ و على متعاليا عن اوصاف الأجسام و منزّها عن الموادّ فتلك الصور القائمة بذاته التي هي عين ذاته متعالية عن الدثور و الفساد ، و تلك الصور العلمية هى المثل ؛ هذا خلاصة كلامه في بيان المثل ، و سيأتى اعتراض من بعده عليه في بيانه هذا .
و أما المواضع التي في كلامه تشير إلى معارف سامية فهى مايلى :
1 - قوله : « إن للموجودات صورا مجرّدة . . . » أي للموجودات المادّية كما في
هامش
( 1 ) . ص 286 بتصحيحنا و تعليقاتنا عليه
( 2 ) . ج 2 - ص 38 بتصحيحنا و تعليقاتنا عليه
( 3 ) . ج 1 من الطبع الرحلى - ص 22