تعلم الإلهيات و تعلم البارى جل ثناؤه فكأنه أقرب الموجودات إليه شرفا و لطفا و صفاء لا مكانا و موضعا ، ثمّ تتلوه النفس لأنها كالمتوسّطة بين العقل و الطبيعة إذ لها حواس طبيعيّة فكأنّها متّحدة من أحد طرفيها بالعقل الذي هو متّحد بالباري جلّ و عزّ على السبيل الذي ذكرناه ، و من الطرف الآخر متحدة بالطبيعة و كأن الطبيعة تتلوها كثافة لا مكانا . فعلى هذا السبيل و على ما يشاكلها مما يعسر و صفها قولا ينبغى أن تعلم ما يقوله افلاطون في أقاويله لأنّها مهما أجريت هذا المجرى زالت الظنون و الشكوك التي يؤدّي إلى القول بأن بينه و بين ارسطو اختلافا في هذا المعنى .
ألا ترى أن ارسطو حيث يريد أن يبيّن من أمر النفس و العقل و الربوبية كمالا كيف يحرّر و يتشوّق القول و يخرج مخرج الألغاز و على سبيل التشبيه ؟ و ذلك في كتابه المعروف بأثولوجيا حيث يقول : « إنى ربما خلوت بنفسى كثيرا و خلعت بدنى فصرت كأنّي جوهر مجّرد بلاجسم فأكون داخلا في ذاتى و راجعا إليه و خارجا من سائر الأشياء سواى فأكون العلم و العالم جميعا فأرى في ذاتى من الحسن و البهاء ما ابهت معجبا فاعلم عند ذلك أنى من العالم الشريف جزء صغير و أنى لمحتوى فاعل ، فلمّا أيقنت بذلك ترقّيت بذهنى من ذلك العالم إلى العالم الإلهي فصرت كأنى هناك متعلق به فعند ذلك يلمع لى من النور و البهاء ما تكلّ الألسن عن وصفه و الآذان عن سمعه ، فإذا استغشى ذلك النور و بلغت طاقتى و لم أقو على احتماله هبطت إلى عالم الفكرة فإذا صرت إلى عالم الفكرة حجبت عنّى الفكرة ذلك النور ، و تذكّرت عند ذلك أخى أرفليطوس من حيث أمر بالطلب و البحث عن جوهر النفس الشريفة بالصعود إلى عالم العقل » .
فهذا من كلام له طويل يجتهد فيه و يروم هذه المعانى اللطيفة فيمنعه العقل الكيانى عن إدراك ما عنده و ايضاحه ، فمن أراد أن يقف على يسير ما أو مأوا إليه فإنّ الكثير منه عسير و بعيد فليلحظ ما ذكرناه بذهنه و لا يتّبع الألفاظ متابعة تامة لعلّه يدرك بعض ما قصدوا بتلك الرموز و الألغاز فإنهم قد بالغوا و اجتهدوا و من بعدهم إلى يومنا هذا
دو رساله مثل و مثال (فارسى) — صفحة 73
مساهمون: حسن حسن زاده آملى
ص٧٣