تلك الأقاويل ممّا يطول بذكرها القول ، و قد استغنينا لشهرتها عن الإعادة مثل فعلنا بسائر الأقاويل حيث أومأنا إليها و إلى أماكنها و خلّينا ذكرها بالنظر فيها و التأويل لها لمن يلتمسها من مواضعها فإن الغرض المقصود من مقالتنا هذه ايضاح الطرق التي إذا سلكها طالب الحق لم يضلّ فيها و أمكنه الوقوف على حقيقة المراد بأقاويل هذين الحكيمين من غير أن ينحرف عن سواء السبيل إلى ما تخيّله الألفاظ المشكلة .
و قد نجد أن أرسطو في كتابه في الربوبيّة المعروفة بأثولوجيا يثبت الصور الروحانيّة و يصرّح بأنّها موجودة في عالم الربّوبية ، فلاتخلو هذه الأقاويل إذا أخذت على ظواهرها من احدى ثلاث خلال :
إمّا أن تكون متناقضة ؛ و إما أن تكون بعضها لأرسطو و بعضها ليس له ؛ و إمّا أن تكون لها معان و تأويلات تتفق بواطنها و إن اختلف ظواهرها فتتطابق عند ذلك و تتّفق .
و أما أن يظنّ بأرسطو مع براعته و شدّة تيقّظه و جلالة هذه المعانى عنده أعنى الصور الرّوحانية انّه يناقض نفسه في علم واحد و هو العلم الربوبى فبعيد و مستنكر .
و أمّا أن بعضه لأرسطو و بعضه ليس له فهو أبعد جدّا إذا الكتب الناطقة بتلك الأقاويل أشهر من أن يظنّ ببعضها أنه منحول ، فبقى أن تكون لها تأويلات و معان إذا كشف عنها ارتفع الشك و الحيرة .
فنقول : إنّه لمّا كان الباري جلّ جلاله مائيّته و ذاته مبائيّته و ذاته مبائنا لجميع ما سواه و ذلك له بمعنى أشرف و أفضل و أعلى بحيث لا يناسبه في إنيّته و لا يشابهه و لا يشاكله حقيقة و لا مجازا ، ثمّ مع ذلك لم يكن بدّ من وصفه و إطلاق اللفظ فيه من هذه الألفاظ المتواطئة عليه فإن من الواجب الضروري أن يعلم أن مع كلّ لفظة نقولها في شيء من أوصافه معنى بذاته بعيد من المعنى الذي نتصوّره من تلك اللفظة ، و ذلك كما قلنا بمعنى أنّه أشرف و أعلى حتّى إذا قلنا إنه موجود علمنا مع ذلك أن وجوده لا كوجود سائر ما هو دونه ، و إذا قلنا إنّه حيّ علمنا أنه حيّ بمعنى أشرف ممّا نعلمه من الحيّ الّذي هو دونه ؛ و كذلك الأمر في سائرهما . و مهما استحكم هذا المعنى و تمكّن من ذهن المتعلّم للفلسفة
دو رساله مثل و مثال (فارسى) — صفحة 70
مساهمون: حسن حسن زاده آملى
ص٧٠