قال زيد : بلغنا أن أمة لعبد الله بن جدعان ، بصرت أبا
عمارة اليوم وهو عائد من صيده ، وأنها عابت عليه انصرافه إلى
الصيد بين جبال مكة ، وابن أخيه يهان فيها ، وأنه سألها عن
خبر النبي فحدثته بصنيع أبي جهل ، وإغرائه السفهاء برسول
الله ، فما كان من أبي عمارة إلا أن جاء الكعبة ، وطاف بها
طوافه المعتاد ، ثم خرج حتى وقف على رأس أبي جهل في
حلقة مخزوم ، ويقول له : أنت تشتم محمدا وأنا على دينه ، ثم
يهوي عليه بالقوس لا شلت يمينه .
قال عمار : وكيف كان وقعها في نفس أبي جهل ؟ وصداها
في رهطه ؟ هل استكانوا وصبروا أم استنكروا ونفروا ؟ .
قال زيد : الذي بلغنا أن نفرا من مخزوم هموا بلقاء الحمزة
ولكن أبا جهل فاء إلى عقله ، فأقعدهم ، ولا يستطيع أبو جهل
أكثر من ذلك حين يخاصمه فتى العرب ألا يعلم أبو جهل أن
الرد على أبي عمارة بالضرب معناه الحرب المهلكة ، والانقسام
الضاري ، والشقاء الذي لا تخرج منه قريش سعيدة ، ما شك
أن الإسلام اشتد ساعده بإعلان حمزة إسلامه اشتدادا يحسب
له المشركون ألف حساب . فهلم نتحسس أثره ، فلا بد أن
يكون لأثره دوي في ألسنة الناس وصدورهم ، وكأني أرى مكة
ماضية فيما نمضي فيه من الاهتمام بهذا الحدث البكر الذي
لم تتعوده قريش ، فأما المسلمون فيرونه - كما نراه - انتصارا
خضد من شوكة الشرك شيئا ما ، وأما المشركون فيرونه هزيمة
سجلت للمسلمين نصرا ما ، ثم لا أظن المسلمين والمشركين
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 54
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٥٤