وقال عتبة : سلوا محمدا في طريقكم أن يأتيكم بمعجزة إن
كان نبيا كما يزعم ، فليكشف عن ( مكة ) هذه الجبال التي
تضيق علينا الأرض ، ويبسطها سهولا كسهول العراق ، ويفجر
فيها ينابيع وأنهارا كدجلة والفرات وبردى ، أو ليحول هذه
الجبال ذهبا وكنوزا تغنينا عن التجارة وتجشم الأسفار ، أو
ليبعث لنا من مضى من آبائنا نسألهم عما يقول ، أصدق هو أم
كذب ، وحق هو أم باطل ، فإن استكثر بعث آبائنا كلهم ،
فاكتفوا منه بقصي فإنه كان شيخ صدق ، فإن أبى فسلوه أن
يسقط علينا كسفا من السماء ، أو يأتينا بعذاب أليم كما يزعم .
وشهد الإسلام بعد هذا اليوم اضطهادا لم يعهد في
التاريخ ، خرج محمد فوجد التراب جريئا عليه ، فما لقي حرا
ولا عبدا إلا آذاه ، وسخر منه ، وحاكى منطقه ، وقلد مشيته ،
وما كان الهواء في يومه ذاك إلا منتنا عفنا كريها ، ولكنه على
ذلك نشيط يدعو ويعظ ، ويقرأ ، ويقبل على السفهاء رضيا باشا
يضع أصابعهم على أخطائهم ، ويفتح أجفانهم على جيفهم ،
فإذا انتهى النهار ، وانطفأت جمرته المتوهجة ، وأقبل المساء
مشعشع النجوم ، رجع أبو القاسم إلى بيته منهكا لو كانت
الأثقال تنهك نبيا مثله ، حزينا مثخن النفس بجراح ليس له بها
عهد ، ولا يعود إلا محموما تمشي الحمى في أوصاله مشية
راجفة تضطره تلك الليلة أن يزور فراشه ويتدثر ببرده الحضرمي
الأخضر .
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 51
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٥١