كله - يا أبا أسامة - كما نعلمه أو أكثر ، وهم إنما يحاربون هذا
كله في محمد لا محمدا في شخصه ، فلو ضمن لهم
امتيازاتهم ، وأقر لهم الاستعباد والامتصاص والاستبداد ، لما
اختلف منه اثنان في محمد وشأنه . لقد بلوتهم فوجدتهم
تجارا لا فيما يرسلونه من هذه القوافل إلى الشام واليمن ،
تذهب بعروض ، وتأتي بعروض ، بل بآلهتهم التي يعبدون ،
لقد رأيتهم لا يضمرون ( لهبل ) وصويحباته من بنات الله ، كما
يزعمون ، إلا السخرية والهزء والتغامز ، ولكنهم يخدعون بها
هذا السواد عن عقولهم ، ويشترون بظاهر احترامها سيادتهم
وامتيازاتهم ، فلو اصطدمت هذه التماثيل الجوف بشئ من
أنا نياتهم لرأيت مكانها تحت أقدامهم ، وهي هشيم ، هم إنما
يعبدون أنفسهم بعبادتها ويدافعون عن أنفسهم بالدفاع عنها .
رأيت أبا جهل يؤدب أحد عبيده مرة فيبرح به ، وسمعت العبد
يحلف بهبل إنه لبرئ ، ويحيل سيده إلى هبل بالسؤال عن
براءته . أتعرف جواب أبي جهل ؟ قال له : وما هو هبل يا لكع !
هل هو إلا عبد أقطع منحوس مثلك ، اشتراه عمرو بن لحي
سيد خزاعة ( 1 ) من بلقاء الشام ونصبه عليك وعلى أمثالك
هامش
( 1 ) عمرو بن لحي سيد خزاعة انتزع الحكم من جرهم ، وتولى ( البيت )
وأقبل بهبل من الشام ، ثم أشاع عبادة الأصنام يجهل بها العامة استدامة
للملك وكان جبارا خليعا مستهترا عمر طويلا وطمس خلال حكمه
( حنيفية ) إبراهيم عليه السلام ، وأفضى الحكم بعده إلى قصي . وهبل
كبير الأصنام في الكعبة صيغ من العقيق على هيئة شيخ ضخم وقور
طويل اللحية قطعت يمينه فعوضته عنا قريش بيد من ذهب .