وأقول لهما هذه المرة : لا نبرح حتى نتعاهد على الانصراف عن
هذه الزيارة ، ثم لم ألتقهما على حال من هذه بعد . وأشهد
لقد سمعت ما سمع عمي ، وسمعت ما سمع أبو الوليد ،
وعرفت مما سمعت مثل الذي عرفا ، فإن كنا اجتمعنا لنصرح
بما في أنفسنا من محمد وحقه ، فهذا ما بنفسي ، ولكننا إنما
اجتمعنا لأمر آخر فخوضوا فيه مشكورين .
ضحك أبو سفيان وقال : لقد أذكرتني أبا الحكم ، وكنت
ناسيا كيف وجدت ما سمعت ؟ ويقول أبو جهل : أكنت غائبا
وحضرت الساعة ؟ لقد أنبأتك عما سمعت منذ لحظة ! .
قال أبو سفيان : كنت شاهدا - وحقك - وقد سمعت وصفك
الرائع كله ، وشربته بأذني وعيني جميعا . ولكني أسألك من
جديد خائضا فيما اجتمعنا من أجله . كيف وجدت ما سمعت ؟
قال أبو جهل : وكيف وجدت أنت ما سمعت من محمد ؟
فقال أبو سفيان : سمعت أشياء يفهم أقلها ، ولا يفهم أكثرها
ولا يعرف ما يراد بجملتها ! .
قال أبو جهل : ورأيي أنا فيما سمعت من محمد أننا تنازعنا
وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ،
وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب ، وكنا كفرسي
رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك مثل
هذه ؟ فوالله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ! .
قال أبو سفيان : نعم ما رأيت - أبا الحكم - ولكن اهبط من
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 47
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٤٧