أنفسكم في تكذيبه اليوم بأربعين حولا قبل اليوم سجلتم على
أنفسكم خلالها ملايين الشهادات بصدقه وأمانته ، تقولون :
ساحر . لا والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم
وعقدهم . وتقولون : كاهن . لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا
الكهنة وتخالجهم ، وسمعنا سجعهم . وتقولون : شاعر لا والله
ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه كلها : هزجه
ورجزه : وتقولون : مجنون : لا والله ما هو مجنون . قد رأينا
الجنون فما هو بخنقه ، ولا وسوته ، ولا تخليطه . يا معشر
قريش إنه نزل بكم خطب عظيم ما أتيتم له بحيلة ، ولا اتخذتم
لدفعه أهبة فتدبروا الأمر على سراج أبي خالد الوليد ، أو
أطيعوا أمر أبي الوليد عتبة مشكورين .
وخرج أبو جهل من صمته فقال : ما دمتم تتبارون بمعرفة
محمد على وجه الحق ، فليس أحد منكم أولى مني
بالإنصاف . ألا فاشهدوا أن نبأ محمد هزني هزا شديدا عنيفا ،
ومناني بزلزال أي زلزال ، ورأيتني ذات ليلة أرقا يتغولني
السمر ، ويقلوني الفراش ، ثم رأيتني مسوقا بدافع خفي
يركبني فلا يدع لي فضل إرادة . ولا حرية خيار ، فإذا أنا ماض
لأمره الحازم الصارم ، أسعى على رؤوس الأصابع ، متسللا
تحت الظلام إلى ركن أرى منه مصلى محمد وأسمع فيه
صوته ، ويا ويحي من سحر يبدل وظائف الحس في جوارحي !
لقد عهدت الفم بابا للنشوة ، يسكبها الخمر منه ، ويصبها فيه ،
ثم يشيعها الفم دبيبا في الأوصال ، وانتعاشا في الروح ، فما
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 45
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٤٥