بال النشوة من صلاة محمد ، تغير مدخل النشوة فتنسكب في
الأذن وتصب فيها وتشيع منها دبيبا وانتعاشا لا والله ما عرفت
مثلهما في نشوة خمر ، ولا نشوة نصر ، ولا نشوة من هذه
النشوات التي ألفناها ، ومارسناها وطال بها عهدنا ، أفتعجبون ؟
لقد أسرني محمد في ركني ذاك بحبال من صلاته إلى الفجر .
وما نبهني إلا النور يفتح علي عيونه ويلقي علي القبض متلبسا
بالجريمة ، وخفت الافتضاح ، فحملت نفسي ورجعت
أدراجي ، وبينما أنا في منصرفي لاح لي من هنا رجل يتسلل
ومن هنا رجل يتسلل ، فقلت في نفسي : ثكلتك أمك يا عمرو !
هذه قريس تتجسس عليك ، وأسقط في يدي ، ثم تبينت فإذا
أبو حنظلة نفسه من هنا ، وإذا الأخنس بن شريق الثقفي من
هنا ، ساعيان إلي في مثل ما بي متمايلان كأنهما خارجان من
حانة ، ويفرخ روعي حين أعلم أن زلزالي حل بهما ، وأرسلهما
كما أرسلني يرشفان من سحر محمد وخمره ، ثم تتلاحى ،
ويوصي بعضنا بعضا أن لا نعود إلى مثلها ، وإلا كنا قدوة
للسفهاء نطمعهم باتباع محمد والتهافت عليه ، ولكني أفقد من
زمامي في ليلتي الثانية ما فقدته في ليلتي الأولى ، وأجدني
مسوقا بدافع خفي ، متسللا تحت الظلام إلى ركن أرى منه
مصلى محمد وأسمع فيه صوته ، فأشرب بأذني من خمره نشوة
ما عرفتها للخمر ، وما عرفتها للنصر ، فإذا نبهني الفجر التقيت
صاحبي ، ولحوتهما ولحواني ، وتوصينا ثم انصرفنا ، وفي فجر
الليلة الثالثة التقيت صاحبي كما التقيتهما مرتين من قبل ،
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 46
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٤٦