التي لها المحل الأرفع من اتجاهه وغرضه ، فأنت إذا عدت
إلى نقده الساخر ، ورافقت ظرفه ، لا تكاد تشك بأنه إنما اصطنع
السخرية عامل تهييج وإثارة على طلى ما سخر به منهم ، لا
أداة تشف واحتقار فقط ، فهو إذ ينفي عن هذا وذاك كفاءة
الحكم ، يدفعهم بهذه اللمسة النفسية إلى السعي والنشاط في
طلب الحكم ليكذبوا ظنه ، ولو قال لهم تناطحوا وليضرب
بعضكم بعضا ، بتعبير صريح مكشوف ، لوجدهم ثقالا بطاء
عن أمره ، ولكنه مس عقدهم هذا المس الساخر ليحرصوا على
خلافه فيما يزعمون ، وعلى خدمته وطاعته كما قدر .
وأراد باصطناع السخرية أمرا آخر ، أراد أن يميط اللثام عن
حقيقة هؤلاء الزعماء المنظورين ، ويخرق هذا الحجاب
المسدل بينهم وبين الناس ، ليضعهم في متناول الأيدي
والألسنة ، محتفظا لنفسه بالذروة ، باقيا في عقائد الناس أنه
الرجل الذي أتعب من بعده . ولعل هذا الشعور أهم العوامل
التي دفعته إلى إقصاء علي وتقريب عثمان ، فلو أتى علي
بعده لم تختلف الحال في ظاهر الأمر وواقعه ، ولم يظهر عهد
علي ما أظهره عهد عثمان من فضله وقدرته .
ثم أراد باتخاذ الأسلوب ( الموضوعي ) في نقد أصحابه
أمورا بالغة الخطورة ، أهمها أن الموضوعية في النقد تخرج
آراءه إخراجا توجيهيا حرا على نحو يضمن له السلامة من
مسؤولية تقليد الخلافة وتبعات التعيين في ظاهر الحال ، كما
يضمن له - من ناحية ثانية - أخذ الجمهور بتوصياته والحرص
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 170
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٧٠