حتمية حيث وقعت من نفوس الناس لا فرق في التأثر بها بين
الخاصة من أصحاب الشورى وأمثالهم ، وبين العامة من
المتطلعين حزبيين أو محايدين .
ولا ريب في أنه عني بصياغة آرائه هذه عناية فائقة ، وصبها
في قالب من الدقة والمرونة جد بارع ، فألفها من تيارات
عاكس بينها لتنسجم له نتائجها ، وخالف بين مواقع مسها
لتتوافق على خطته ردودها .
أنظر ، إنك تلاحظ أنه دعا الستة ليكلمهم قبل أن يصمم
نظام الشورى ، وتلاحظ أنه إنما أراد أن ينشئ من كلامه هذا
قاعدة يرفع فوقها نظامه ، وتلاحظ بعد ذلك أن كلامه يمتاز
بخاصتين تظهران على الخصائص المنوعة في نقده هذا ، وهما
اصطناع السخرية في جانب واتخاذ الأسلوب الموضوعي في
جانب ولا تصدق من يدعي لك أن اجتماع هاتين الخاصتين
يأتي ( عفوا ) أو يستقيم بلا قصد ، وصدق - إذا سمحت - أن
الذي جمعها لأبي حفص هنا إنما هو الفن السياسي لا الفن
البياني ، وأنه إنما جمعها ليرسل منها رسلا إلى قلوب الناس
وصدورهم ، بعضها يكلم الخاصة ، وبعضها يكلم العامة ،
وكلها تبلغ البلاغة الذي يورط ولا يتورط .
أراد بالسخرية أشياء كثيرة ، أراد أن ينفس عن غيظه ، ويثأر
من جراءة من اجترأ عليه وهو يحتضر ، ولكن هذا الدافع
الذاتي ليس بذي خطر إذا قيس بغيره من الدوافع السياسية
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 169
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص١٦٩